تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2870

مساهمون:

ص٢٨٧٠
ثم أمر اللَّه نبيه بالتذكير بهذه الأدلة والبراهين الحسية ، فقال * ( فَذَكِّرْ ) * أي فذكر أيها النبي الناس بما أرسلت به إليهم ، وعظهم وخوفهم ، ووجّههم للتأمل بهذه الشواهد الدالة على قدرة اللَّه على كل شيء ، ومنها البعث والمعاد ، وليس عليك إلا التذكير فقط ، فإنما بعثت لهذا الغرض ، ولا سلطان ولا سيطرة لك عليهم ، لحملهم على الإيمان بالله تعالى ربا واحدا لا شريك له ، وتصديقهم بجميع رسالتك ، رسالة الخير والإنقاذ والسعادة والنظام ، فإن آمنوا فقد اهتدوا ، وإن أعرضوا فقد ضلوا وكفروا وشقوا . لكن من تولى عن الوعظ والإرشاد والتذكير ، وكفر بقلبه ولسانه ، فيعذبه اللَّه في الآخرة بعذاب جهنم الدائم ، عدا عذاب الدنيا من قتل وأسر واغتنام مال ، لأنه إذا كان لا سلطان لك عليهم ، فإن اللَّه تعالى هو المسيطر عليهم ، لا يخرجون عن قبضته وقوته وسلطانه . والعذاب الأكبر : عذاب الآخرة ، لأنهم قد عذّبوا في الدنيا بالجوع والقتل وغيرهما . فقوله تعالى : * ( إِلَّا مَنْ تَوَلَّى ) * الصحيح أن الاستثناء منفصل أو منقطع . ثم أكد اللَّه تعالى وقوع البعث والحساب والعذاب ، سواء اعتقد المشركون ذلك أم لم يعتقدوا ، فقرار اللَّه تعالى حاسم ، وهو : إن إلينا مرجعهم ومصيرهم ، ونحن نحاسبهم على أعمالهم بعد رجوعهم إلى اللَّه بالبعث ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فلا مفر للمعرضين ، ولا خلاص للمكذبين من العقاب . إن توكيد قرار وقوع البعث والقيامة دليل على أنه لا مفر لأحد من تطبيق قانون العدالة المطلق ، حتى لا يغبن أحد في عمله ، فليس من الحق والعدل والمعقول أن يتساوى المحسنون والأشرار ، والمستقيمون والفجار ، والمؤمنون والكفار ، فمن آمن وأطاع ، حق له الإنعام والتقدير والإحسان ، ومن كفر وعصى كان بدهيا أن يلقى جزاءه العادل على عمله الذي اختاره في الدنيا .
التفسير الوسيط — صفحة 2870 | وهبة الزحيلي