العمل بموجبها . وهذا يدل على تعظيم شأن القرآن ، سواء قبله الكفار أم لا . قال سفيان الثوري :
فكان أي النبي بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم قال : مرحبا بما عاتبني فيه ربي عز وجل ، وبسط له رداءه ، واستخلفه النبي على المدينة مرتين .
وتلك التذكرة ذات صفتين : إنها تذكرة بينة ظاهرة ، مقدور على فهمها ، فمن رغب فيها اتعظ بها ، وحفظها ، وعمل بمقتضاها .
وهي تذكرة مثبتة كائنة في صحف مشرفة عند اللَّه تعالى ، لما فيها من العلم والحكمة ، وإثباتها في اللوح المحفوظ ، وكونها رفيعة القدر عند اللَّه ، منزهة ، لا يمسها إلا المطهرون ، محمولة بأيدي ملائكة وسائط ينقلون الوحي للرسل ، لتبليغها للناس ، وهم كرام على ربهم ، ومترفعون عن المعاصي ، أتقياء مطيعون لله عز وجل ، صادقون في إيمانهم .
ثم ذم اللَّه تعالى منكر البعث بقوله : * ( قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ) * ( 17 ) أي حقّ قتل الإنسان الكافر ، أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا ، أيّ شيء أكفره ؟ أي جعله كافرا .
والمراد : إرادة إيصال العقاب الشديد للكافر .
قيل : إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب ، وذلك أنه غاضب أباه ، فأتى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالا ، وجهّزه إلى الشام ، فبعث عتبة إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقال : إني كافر برب النجم إذا هوى . فدعا عليه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فأخذه الأسد وأكله بطريق الشام ، أخرجه ابن المنذر عن عكرمة .
من أي شيء مهين خلق اللَّه هذا الكافر بربه ؟ ! فلا ينبغي له التكبر عن الطاعة .
وهو استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء الذي خلق اللَّه الإنسان منه . خلق اللَّه هذا الكافر بربّه ، وقدره أطوارا وأحوالا ، وسواه وهيأه لمصالح نفسه . وأتم خلقه وأكمله بأعضائه الملائمة لحاجاته مدة حياته ، وزوده بطاقات العقل والفهم وبالحواس المدركة ، للاستفادة من نعم اللَّه تعالى ، فلا يستعملها في إغضابه .
التفسير الوسيط — صفحة 2823
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٨٢٣