تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2603

مساهمون:

ص٢٦٠٣
آخرين ، وجعلنا الرسالة والنّبوة في ذرّيتهما ، وجعلنا الكتب المنزلة فيهما . والكتاب : يعني الكتب الأربعة ، فإنها جميعا في ذرّية إبراهيم عليه السّلام . وذكر نوح وإبراهيم تشريف لهما ، وبيان نعم اللَّه عليهما ، ثم على ذرّيّتهما . ومع ذلك من ذرّيتهما من فسق وعاند ، وهم الكثيرون ، ومنهم المهتدون الطائعون . وهذا يدلّ على أن الانحراف عن جادة الحق ، كان بعد التمكّن من معرفته . ثم أتبعنا بعدهم في الزمان رسلنا ، واحدا بعد الآخر ، ثم خصّ اللَّه تعالى عيسى ابن مريم بالاتباع تشريفا له ، ولشهرته في عصر التنزيل القرآني ، وأن اللَّه آتاه الإنجيل ، وهو الكتاب الذي أوحاه اللَّه إليه ، متضمنا أصول شرعه ، ومكملا للتوراة ، وموضحا حقيقة الشريعة . ومن صفات عيسى عليه السّلام : أن اللَّه جعل في قلوب أتباعه الخلَّص : وهم الحواريون وأنصارهم رقّة في الطبع ، ورحمة بالخلق ، خلافا لليهود القساة ، لكنهم ابتدعوا الرهبانية من جهة أنفسهم : وهي الانقطاع للعبادة ورياضة الروح واعتزال الناس ، ولم يشرعها اللَّه لهم ولم يأمرهم بها ، ولكنهم قصدوا من ذلك ابتغاء رضوان اللَّه ، وكان مآلهم أمرين : أولهما - أنهم ابتدعوا في دين اللَّه ما لم يأمر اللَّه به ، والثاني - أنهم لم يقوموا بحقّ ما التزموه ، ولم يراعوا كونه قربة لله عزّ وجلّ ، ولم يرعوه حق الرعاية ، بل غيّروا وبدّلوا ، فأعطينا المؤمنين منهم إيمانا صحيحا ثوابهم الذي يستحقونه بالإيمان ، وكثير من هؤلاء المترهبين فاسقون خارجون عن حدود اللَّه وطاعته ، يأكلون الأموال بالباطل ، وينحرفون في سلوكهم . وناسب ما ذكر : الاتّعاظ والاعتبار وبيان ثواب المؤمنين بعيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام ، فقال اللَّه تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه . . ) * أي يا أيها الذين صدّقوا بوجود اللَّه ووحدانيته ، وصدّقوا رسوله من مؤمني أهل الكتاب : اليهود والنصارى ، خافوا اللَّه تعالى ، بترك ما نهاكم عنه ، وأداء ما أمركم به ، وآمنوا