ودليل آخر : أخبروني عما تحرثون من الأرض ، وتطرحون فيه البذر ، هل أنتم أوجدتموه زرعا ونباتا كاملا فيه السنبل والحب ، بل نحن الذين ننبته في الأرض ونصيّره زرعا تامّا ؟ بل أنت يا ربّ .
لو أردنا أن نجعل هذا الزرع يابسا أو هشيما متكسّرا لفعلنا ، فصرتم تتعجبون من سوء حاله وما نزل به ، قائلين : إننا لخاسرون مغرمون . والمغرم : الذي ذهب ماله بغير عوض ، أو إننا لهالكون هلاك أرزاقنا .
وبعد المأكول يكون المشروب ، أخبروني أيها الناس عن الماء العذب الذي تشربونه لإطفاء العطش ، أأنتم أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون بقدرتنا دون غيرنا ، فكيف لا تصدقون بالبعث بعد هذا الإيجاد ؟ ! لو أردنا أن نجعل هذا الماء ملحا لا يصلح للشرب ولا للزرع ، لفعلنا ، فهلا تشكرون نعمة اللَّه الذي خلق لكم هذا الماء عذبا فراتا زلالا ، تشربون منه ، وتنتفعون به ؟ ! ثم ذكر النار أداة الطَّهي والإنضاج ، فهل رأيتم النار التي تستخرجونها بالقدح من الزناد ، أأنتم أنشأتم شجرتها التي تقدحون منها النار ، أم نحن المنشئون لها بقدرتنا دونكم ؟
نحن جعلناه هذه النار تذكرة لكم بحرّ نار جهنم الكبرى ، ليتّعظ بها المؤمن ، وينتفع بها المقوون ، أي المسافرون الضاربون في البوادي ، والأراضي القفر . فنزّه اللَّه تعالى القادر على خلق هذه الأشياء أيها النّبي وكل مخاطب بالقرآن ، حيث أوجد هذه الأشياء المختلفة المتضادة ، من إيجاد عنصر الرطوبة بالماء ، وعنصر الحرارة بالنار ، ومادة الملوحة في البحار والمحيطات .
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ، فقالوا : يا رسول اللَّه ، إن كانت لكافية ؟ فقال : إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا » .
التفسير الوسيط — صفحة 2581
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٥٨١