ثم تركت هذه الأقوال وأضرب عنها ، عناية بأمر القيامة التي عذابها أشد عليهم من كل هزيمة وقتال ، فقال اللَّه تعالى : * ( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) * أي بل إن القيامة موعد عذابهم الأخروي ، وليس هذا العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والقهر ، هو تمام ما وعدوا به من العذاب ، وإنما هو مقدمة له ، وعذاب القيامة أعظم وأنكى ، وأشد مرارة وقسوة من عذاب الدنيا .
ونوع عذاب الآخرة : هو أن المجرمين ، أي الكفار - في رأي أكثر المفسرين - في الدنيا في حيرة وبعد عن الهدى والصواب ، وفي الآخرة في احتراق وتسعّر ، أي في نيران مستعرة .
يوم يجرّون في النار على وجوههم للإهانة والإذلال ، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا :
ذوقوا وقاسوا حرّ النار وآلامها وشدة عذابها . وهذا توعد بالسحب في جهنم . وأكثر المفسرين على أن المجرمين هنا يراد بهم الكفار ، وقال قوم : المراد بالمجرمين : القدرية الذين يقولون : إن أفعال العباد ليست بقدر من اللَّه تعالى .
ثم أوضح الحق تعالى أن جميع ما يحدث في الكون ومنه أفعال الناس كلهم هو مخلوق لله تعالى ، فقال : * ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه بِقَدَرٍ ) * ( 49 ) أي إن كل شيء من الأشياء وكل فعل من الأفعال في الكون والحياة ، خيرا أو شرا ، مخلوق لله تعالى ، مقدر بقدر معلوم ، وفي هيئة وزمن مخصوص ، وهو محكم مرتب بحكمة اللَّه تعالى ، وعلى وفق المكتوب في اللوح المحفوظ ، ومعلوم لله في الأزل . وهذا المعنى يقتضي أن كل شيء مخلوق ، إلا ما قام الدليل العقلي على أنه ليس بمخلوق ، كالقرآن وصفات اللَّه تعالى .
وهذه الآية رد واضح على طائفة القدرية الذين ينكرون القدر ، ويقولون : المرء يخلق أفعاله .
أخرج الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال : خاصمت قريش رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في القدر ، فنزلت هذه الآية .
التفسير الوسيط — صفحة 2550
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٥٥٠