تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2541

مساهمون:

ص٢٥٤١
فدعا نوح عليه السّلام ربه تعالى قائلا : إني ضعيف عن مقاومة هؤلاء ، فانتصر أنت لدينك ، بعد علمك بتمردهم وعنادهم ، فأجابه اللَّه : لقد صببنا عليهم ماء غزيرا كثيرا متدفقا . وكلمة ( أبواب السماء ) هي تشبيه ومجاز ، لأن المطر كثر كأنه من أبواب . ومنهمر : شديد الوقوع وغزير . وجعلنا الأرض كلها عيونا متفجرة ، وينابيع متدفقة ، فالتقى ماء السماء ، وماء الأرض ، على أمر قد قضي عليهم ، ورتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت ، أو على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه ، وهو وصف الطوفان لعقابهم والانتقام منهم . وحملنا نوحا عليه السّلام على سفينة ذات ألواح : وهي الأخشاب العريضة ، ودسر : وهي المسامير التي تشدّ بها الألواح ، وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه . تسير السفينة بمنظر ومرأى منا ، وحفظ وحراسة لها ، جزاء لهم على كفرهم بالله ، وانتصارا لنوح عليه السّلام ، لأن إرساله نعمة ، وتكذيبه كفران موجب للنقمة . وهذا دليل على ضرورة اتخاذ الأسباب ، لتحقيق النتائج المرجوة . فقوله : * ( بِأَعْيُنِنا ) * معناه بحفظنا وكفايتنا وتحت نظر منا لأهلها . ولقد أبقينا خبر السفينة عبرة للمعتبرين ، أو تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وعظة ، فهل من متعظ يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها ؟ ! فانظر أيها السامع كيف كان عذابي لمن كفر بي ، وكذب رسلي ، ولم يتعظ بإنذاراتي التي جاء بها المرسلون ، وكيف انتصرت لهم وثأرت لهم ، وكيف كانت إنذاراتي ؟ وهو اطلاع لقريش على سبيل التوبيخ والتخويف ، معناه : كيف كان عاقبة إنذاري ، لمن لم يحفل به ، مثلكم أيها القوم ؟ وجمع النّذر : إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب ، لأن الإنذار وهو الاعلام المتقدم رحمة وشفقة . وقوله : * ( كُفِرَ ) * معناه جحد به .
التفسير الوسيط — صفحة 2541 | وهبة الزحيلي