كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 29 ) [ الجاثية : 45 / 23 - 29 ] .
آسى اللَّه تعالى أو آنس نبيه عن إعراض المشركين عن الإيمان ، فطلب منه ألا يحفل بهم ، ولا يهتم بأمرهم ، فليس فيهم حيلة لبشر ، لأن اللَّه بسبب إمعانهم في الكفر أضلهم . ومعنى الآية : أخبرني عن حال هؤلاء المشركين الذين أطاعوا أهواءهم ، واتخذوا دينهم ما يهوونه ، فكأنهم جعلوا الهوى إلها يعبدونه من دون اللَّه ، فلا يهوى أحدهم شيئا إلا اتبعه ، وخذلهم اللَّه ، عالما بضلالهم ، لفساد استعدادهم وأحوالهم ، وطبع اللَّه تعالى على أسماعهم وقلوبهم ، فلا يسمعون الوعظ ، وجعل على أبصارهم غطاء ، فلا يبصرون الهدى والحق ، فمن الذي يرشدهم للصواب بعدئذ ؟ أفلا تتذكرون وتتعظون أيها المشركون ؟ والهوى : ما تريده النفس وتحبّه .
نزلت كما أخرج ابن المنذر وابن جرير الطبري عن سعيد بن جبير قال : كانت قريش تعبد الحجر حينا من الدهر ، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه ، طرحوا الأول ، وعبدوا الآخر ، فأنزل اللَّه : * ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه ) * . وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفرة ، فهي متناولة جميع أهواء النفس الأمّارة بالسوء . وآية * ( وخَتَمَ عَلى سَمْعِه وقَلْبِه . . ) * قال مقاتل : نزلت في أبي جهل .
وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها ، لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله تعالى : * ( اتَّخَذَ ) * وفي قوله تعالى : * ( عَلى عِلْمٍ ) * أي على علم من هذا الضلال ، فإن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه ، فهم معاندون مكابرون .
وقال المشركون الماديون ، والدهريون المنكرون للبعث : ما في الوجود إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحن فيها ، وليست ثمّ آخرة ولا بعث ، وما يهلكنا إلا طول الزمان
التفسير الوسيط — صفحة 2403
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٤٠٣