تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2350

مساهمون:

ص٢٣٥٠
وإما بأن يكون بسماع كلام من وراء ستار أو حجاب ، أي من خفاء عن المكلَّم ، لا يستطيع تحديده أو تصوره بذهنه ، ومن غير واسطة ، متيقنا أنه كلام اللَّه من حيث لا يرى ، كما كلم اللَّه موسى عليه السّلام من وراء الشجرة المباركة ، وكان موسى قد طلب رؤية اللَّه بعد التكليم ، فحجب عنها . وإما بأن يكون بوساطة إرسال رسول من الملائكة إما جبريل أو غيره ، فيوحي ذلك الملك إلى الرسول من البشر بأمر اللَّه وتيسيره ما يشاء أن يوحي إليه ، وهذا دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم . ثم أوضح اللَّه تعالى تشابه الوحي بين النبي محمد وبين من تقدمه من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وهو أنه مثلما أوحينا إلى سائر الأنبياء . أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن الذي هو من أمر اللَّه عز وجل ، وهو بمثابة الروح حياة للأنفس وإنارتها بعد ظلامها وجهالتها ، ومبدأ للحضارة والعلم والتقدم ، والحد الفاصل بين عهدين : عهد الأمية والجهالة والفوضى ، وعهد العلم والمعرفة والنظام ، فالروح في هذه الآية : هو القرآن الكريم وهدى الشريعة ، سمّاه اللَّه روحا ، لأنه يحيي به البشر والعالم ، كما يحيي الجسد بالروح ، فهذا على جهة التشبيه . وقوله : * ( مِنْ أَمْرِنا ) * أي واحد من أمورنا أو كلامنا . وإنزال القرآن على قلب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم دليل على مقدار النعمة ، فأنت أيها النبي رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب ، ولم تكن قبل القرآن المنزل عليك تعرف ما القرآن ، وما معنى الإيمان ، ولا تفاصيل الشرائع ، ولكن جعلنا هذا القرآن الذي أوحيناه إليك ضياء ونورا ، نهدي به من نشاء هدايته ، أي نرشد ، لأنه النور الذي يهتدي به الناس في ظلمات الحياة ، كما جاء في آية أخرى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) [ الإسراء : 17 / 9 ] . والضمير في جعلناه : عائد على القرآن .
التفسير الوسيط — صفحة 2350 | وهبة الزحيلي