ثم وصفهم الله تعالى بالحيرة والاضطراب والقلق في الآخرة فقال : * ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها ) * أي بل جنس الكفرة في شك من وجود الآخرة ووقوعها ، وهم في حيرة شديدة من تحقق وجودها ، كما قال الله تعالى : عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 ) [ الكهف : 18 / 48 ] . أي لن نجعل للكافرين منكم موعدا .
ثم كشف الله حقيقتهم وهي التّعامي عن التفكر والتأمل أو التدبر في أمر الآخرة ، فقال : * ( بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ) * أي بل هم في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها ، لا يفكرون فيها في أعماق نفوسهم ، فهم عمي البصيرة لا البصر ، وهذا أسوأ حالا من الشّك .
إن هذه الإضرابات الثلاثة بكلمة ( بل ) تدرّج في وصف منكري البعث ، فهم أولا لا يشعرون بوقت البعث ولا يعلمون متى يكون ، ثم إنهم يتخبطون في الشكوك فلا يزيلونها ، والإزالة مستطاعة ، ثم هم عمي البصيرة لا يدركون الحقائق ، وهذا غاية الحطَّة والدّنو .
استبعاد المشركين بعث الأجساد
استمرّ مشركو العرب وأمثالهم في استبعاد أن تبعث الأجساد والرّمم من القبور ، وتلك حلقة من سلسلة اعتقاداتهم الفاسدة ، التي فنّدها القرآن الكريم ، وردّ عليها ، وأبان زيفها ، لأن الشك في أمر المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة الإلهية أو في كمال العلم ، وبما أن المنطق الحسي ، والاستقرار الفطري يدلان على عظمة القدرة الإلهية ، وتمام العلم الإلهي وإحاطته ، فإن كل امرئ عاقل يؤمن بوجود يوم العدالة المطلقة ، وإنصاف الخلائق ، وهو يوم القيامة ، فكان لا بدّ من صحة الاعتقاد