وزمان وكيفية وقوع الأشياء ، حسبما يتفق مع حكمة الله وتقديره وعلمه . وقد نزلت هذه الآية لأن الكفار سألوا ، وألَّحوا عن وقت القيامة التي يعدهم بها النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فنزلت هذه الآية بالتسليم لأمر الله تعالى ، وترك التحديد ، وأعلم الله عزّ وجلّ أنه لا يعلم وقت الساعة سواه ، فجاء بلفظ يعمّ السامع وغيره ، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون متى يبعثون ؟
وبهذه الآية احتجّت عائشة رضي الله تعالى عنها على قولها : « ومن زعم أن محمدا يعلم الغيب ، فقد أعظم على الله الفرية » ( أخرجه أحمد والشيخان والتّرمذي والنّسائي وغيرهم ) . لذا بدئت الآية بأمر النّبي أن يقول : قل يا محمد : لا يعلم أحد الغيب من أهل السماوات والأرض ، إلا الله عزّ وجلّ ، فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له ، قال الله تعالى : وعِنْدَه مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 6 / 59 ] . وقال سبحانه :
إِنَّ اللَّه عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 ) [ لقمان : 31 / 34 ] .
ثم أكّد الله تعالى اختصاصه بعلم الغيب وكون القيامة تأتي بغتة ، فما يدري أهل السماوات والأرض بوقت الساعة ، كما قال الله تعالى : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 7 / 187 ] . أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض ، ولم يدركوا حقائقها ، فلا يشعر أي واحد من الناس ، متى وقت البعث والحساب والجزاء ، وإنما تأتيهم القيامة فجأة .
وأكّد الله تعالى أمرا آخر وهو جهل الناس بيوم القيامة حين قال : * ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) * أي تدارك ، بمعنى تناهي وتتابع علمهم بالآخرة ، إلى أن يعرفوا لها مقدارا فيؤمنوا ، وإنما لهم ظنون كاذبة ، فهم عاجزون عن معرفة وقت حدوث القيامة ، وعلمهم بذلك معدوم ، وإنما هي تنبؤات وتخرصات لا قيمة لها .
التفسير الوسيط — صفحة 1887
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٨٨٧