تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1786

مساهمون:

ص١٧٨٦
التغيظ ، لشدة التهابها ، وصوت الزفير : وهو صوت ممدود كصوت الحمار المرجّع في نهيقه ، والتغيظ : احتدامات في النار كنار الدنيا . الصفة الثانية : إذا ألقي الكفار في النار في مكان ضيق ، مقرّنين ، أي مربوط بعضهم إلى بعض ، صاحوا واستغاثوا قائلين : يا ثبورنا أي يا ويلنا ، ويا هلاكنا احضر ، فهذا وقتك ، والمقصود بالمكان الضيق من النار : التضييق عليهم من المكان في النار ، وذلك نوع من التعذيب . قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن أبي حاتم : « والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار ، كما يستكره الوتد في الحائط » أي يدخلون كرها وعنفا . وقوله تعالى : * ( دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ) * الثبور : الهلاك أو الويل ، وهو مصدر ، ومفعول : « دعوا » محذوف ، تقديره : دعوا من لا يجيبهم . لذا قال الله تعالى : * ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) ) * أي يقال لهم على معنى التوبيخ والاعلام بأنهم مخلَّدون : لا تقتصروا على حزن واحد ، بل أحزنوا كثيرا ، لأنكم أهل لذلك . وإنكم إن وقعتم في الهلاك ، فليس هو هلاكا واحدا ، وإنما أنواع كثيرة من الهلاك ، إما لتنوع ألوان العذاب ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدّلوا غيرها . والمقصود تيئيسهم من الخلاص من العذاب بالهلاك ، والتنبيه إلى أن عذابهم أبدي ، لا خلاص منه . وإذا كانت هذه أوصاف العذاب الأخروي للكفار ، فقل يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين سيتعرضون لهذه الأحوال من النار ، على جهة التوبيخ واللوم ، والتوقيف والتهكم والتحسر : أهذا العذاب الذي وصفت لكم أفضل وأكرم أم نعيم جنة الخلد الذي يدوم إلى الأبد ، وقد وعدها المتقون الأبرار ، الذين أطاعوا الله فيما أمر به ، وانتهوا عما نهى عنه ، وكانت تلك الجنة لهم جزاء طاعتهم في الدنيا ، ومصيرهم أو مآلهم الحسن .
التفسير الوسيط — صفحة 1786 | وهبة الزحيلي