أَبَداً وأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) [ النور : 24 / 4 - 5 ] .
نزلت هذه الآية في القاذفين ، فبعد أن نفّر الله من نكاح الزانيات ، وإنكاح الزناة ، نهى الله تعالى عن القذف : وهو الرمي بالزنا ، أي إلصاق التهمة بعفيف أو عفيفة من دون حجة ولا برهان ، وهذا الاتهام وإن ظن بعض الناس أنه لا يستحق عقابا ، فإنه في الواقع أمر خطير ربما يؤدي إلى القتل ، أو تدمير كيان الأسرة ، أو الإساءة الدائمة للسمعة ، بسبب الاستفزاز وإثارة الأحقاد ، وإيجاد العداوة والبغضاء ، واحتدام السخط والغضب ، والغالب أن الغضوب بعيد عن دواعي العقل والحكمة والرشد ، فيسارع إلى اتخاذ موقف متهور ، يؤدي إلى نتائج خطيرة ، بسبب كلمة عابرة أو تهمة كاذبة . لذا طلب القرآن مزيدا من التثبت أو الإثبات للتهمة بأربعة شهود .
والمعنى : إن الذين يتهمون النساء العفيفات الحرائر المسلمات بالزنا ، ولم يتمكنوا من إثبات التهمة بأربعة شهود ، رأوهن متلبّسات بالزنا ، أي لم يقيموا البينة على صحة القذف الذي تورطوا به ، هؤلاء لهم عقوبات ثلاث :
أولها : أن يجلدوا ، أي القذفة ثمانين جلدة .
وثانيها : أن تردّ شهادتهم أبدا ، وتسقط عدالتهم ، فلا تقبل شهادتهم بعدئذ في أي شيء ، مدة العمر .
وثالثها : أن يصيروا فسقة فجرة ، ليسوا عدولا ، لا عند الله ولا عند الناس ، سواء كانوا صادقين في القذف لكنهم لم يثبتوه ، أو كاذبين ، والفسق : الخروج عن طاعة الله تعالى . وهذا دليل على أن القذف إحدى الكبائر ، لما يؤدي إليه من التشنيع ، وهتك حرمة أعراض المؤمنات .
التفسير الوسيط — صفحة 1730
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٧٣٠