إلى الدنيا . وقوله تعالى : * ( ولا تُكَلِّمُونِ ) * بلفظ نهي ، وهم لا يستطيعون الكلام ، على ما روي ، فهذا مبالغة في المنع . ويقال : إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا .
ثم أخبر الله تعالى عن سبب عذابهم بما يفيد بأنه كان جماعة من عبادي المؤمنين يقولون : يا ربّنا صدّقنا بك وبرسلك ، وبما جاؤوا به من عندك ، فاستر ذنوبنا ، وارحم ضعفنا ، فأنت خير الراحمين .
فما كان منكم إلا أن سخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي ، حتى حملكم بغضهم والهزء بهم على نسيان ما ذكّرتكم به مما ينفعكم ، ولم تلتفتوا لمقتضى التذكرة ، ولم تخافوا العقاب ، وكنتم تضحكون استهزاء من صنيعهم وعبادتهم ، كما جاء في آية أخرى : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) [ المطففين : 83 / 29 - 30 ] . أي يلمزونهم استهزاء . والفريق المشار إليه ممن هزئوا به :
كل مستضعف من المؤمنين ، وقد نزلت الآية في كفار قريش الذين كانوا يهزؤون بصهيب وعمار وبلال رضي الله عنهم ونظرائهم . ولكنها عامة فيمن جرى مجراهم قديما ، وبقية الدهر .
ثم أخبر الله تعالى عما جازى به عباده الصالحين بأنه جازاهم في يوم القيامة بسبب صبرهم على أذى الكفار واستهزائهم بهم ، وكان الجزاء هو الفوز بالسعادة والسلامة ، والنعيم المقيم في الجنة ، والنجاة من النار ، كما جاء في آية أخرى وهي :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) [ المطففين : 83 / 34 - 36 ] .
والجزاء المعطى للمؤمنين : هو الجنة والرضوان الإلهي ، والفائزون : هم المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم ، ومعنى الفوز : النجاة من هلكة إلى نعمة .
تتبين عظمة القرآن ، وأفضال الله ونعمه : في أن الحق سبحانه وتعالى بيّن لعباده
التفسير الوسيط — صفحة 1723
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٧٢٣