تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1666

مساهمون:

ص١٦٦٦

اختلاف المناسك والعبادات بين الأمم

اقتضت الحكمة الإلهية أن تتعدد مظاهر العبادة والشرائع بين الأمم والملل المختلفة ، وليس هذا التعدد إلا شكليات وأحوالا ، جوهرها واحد ، وغايتها واحدة ، وهي الاتجاه إلى الله الخالق الذي يعبده جميع الناس ، فلا يصح أن يكون التفاوت في هذه العبادات سببا للاختلاف والحوار والعداء والخصام ، وإنما ينبغي الاتفاق والاتحاد في المضمون ، وتفويض الأمر إلى الله المعبود ، وتصفية النفوس من الأحقاد والبغضاء ، والحسد والعصبية ، فإن لم يتحقق هذا كان الحساب عسيرا ، والحكم بين العباد يوم القيامة شديدا ، ولا يغيب عن الله شيء في الأرض ولا في السماء ، ومعلومات الخلائق كلها مدوّنة في اللوح المحفوظ ، وإحضارها وجمعها وحفظها يسير على الله ، قال الله تعالى مبينا هذا الاختلاف في المناسك :

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 67 إلى 70 ]

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً ( 1 ) هُمْ ناسِكُوه فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 ) وإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 68 ) اللَّه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ ( 69 ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ( 70 ) [ الحج : 22 / 67 - 70 ] . أخبر الله تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا ، أي عبادة وشريعة ، يتعبدون بها ، ويسيرون على منهاجها ، بحسب ظروف الزمان المكان ، ومقتضيات التدرج والتطور ، ونضج الفكر والعقل ، فأنزل الله التوراة على موسى عليه السلام فيها لون من الشدة تتفق مع طبائع بني إسرائيل ، ثم أنزل الله الإنجيل على عيسى عليه السلام لتخفيف حدة المادة والطقوس والشكليات وضرورة العناية بالجوهر والروحانيات ، وإشاعة

هامش
( 1 ) المنسك : مصدر بمعنى العبادة والشريعة ، وهو أيضا موضع النسك ، والأول هو المراد هنا .
التفسير الوسيط — صفحة 1666 | وهبة الزحيلي