خيّاطا صابرا على مهنته ، يسبّح الله عند إدخال الإبرة ، ويحمده عند إخراجها ، دعا قومه لعبادة الله وحده ، فأبوا ، فأهلكهم الله وأبادهم . وكان أول من اتخذ السلاح عدّة للحرب .
وأما ذو الكفل : فإنه صبر على صلاة الليل حتى يصبح ، وعلى صيام النهار فلا يفطر ، ويقضي بين الناس فلا يغضب ، ووفّى بذلك وبما ضمن على نفسه ، سمي « ذا الكفل » لأنه تكفّل بأمر ، فوفى به ، أي إنه صبر على تحمل أخلاق الناس والدين ، وعلى موجبات مرضاة الله تعالى .
روي أن « اليسع » جمع بني إسرائيل ، فقال : من يتكفّل لي بصيام النهار ، وقيام الليل ، وألا يغضب ، وأولَّيه النظر للعباد بعدي ؟ فقام إليه شاب ، فقال : أنا لك بذلك ، فراجعه ثلاثا في ذلك ، يقول : أنا لك بذلك ، فاستعمله ، فلما مات « اليسع » قام بالأمر ، فجاء إبليس ليغضبه - وكان لا ينام إلا في القائلة : منتصف النهار - فكان يأتيه وقت القائلة أياما ، فيوقظه ، ويشتكي ظلامته ، ويقصد تضييق صدره ، فلم يضق به صدرا ، ومضى معه لينصفه بنفسه ، فلما رأى إبليس ذلك ، إبليس عنه ، أي نأى وأيس ، وكفاه الله شرّه . وهذا هو ذو الكفل .
إن سيرة إسماعيل وإدريس وذي الكفل المترعة بالصلاح والتقوى ، وبالصبر والجهاد والمصابرة ، تصلح درسا للرجال الأشداء الذين شحذوا عزائمهم ، وجدّوا في الطاعة ، وعاشوا عبادا صالحين قانتين لربهم ، يصلون ويصومون ، ويتحملون ألوان الأذى ومكاره العيش ، ويصبرون على أخلاق الناس وطبائعهم ، فسلام من الله ورحمته عليهم ، ومتّعهم الله بجنات الخلود .
التفسير الوسيط — صفحة 1608
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٦٠٨