( فتحة قميصها ) فسرت النفخة بإذن الله تعالى ، حتى حملت منها . قال وهب بن منبّه وغيره :
فحملت الغلام بعد هذه النفخة الروحانية ، فلما أحست مريم عليها السلام بذلك ، وخافت تعنيف الناس ، وأن يظنّ بها البشر سوءا ، انتبذت ، أي تنحّت مكانا بعيدا حياء وفرارا ، على وجهها .
ومكث الحمل في بطن السيدة مريم كالمعتاد الغالب ، وهو تسعة أشهر قمرية ، ليتغذى الطفل من دم أمه ، ويتنشأ بعواطفه محبا غيورا عليها ، متمسكا بانتمائه إليها ، معتزا بارتباطه بها ، يملأ جوانحه عاطفة الأمومة .
ولادة عيسى عليه السلام
إننا لنقدر عاليا تلك المشاعر الجياشة المؤلمة التي أحسّت بها السيدة مريم العذراء البتول ، حين اقتراب ميعاد وضع حملها المبارك ، وهي المرأة المنقطعة للعبادة ، القائمة بحقوق الله تعالى على أتم وجه ، وهي من بيت كريم ونسب شريف ، إن الناس لا يعذرون من كان أقل شأنا أو رتبة من السيدة مريم ، إذا ظهر عليها الحمل ، وهي بكر ، فما بالك بمريم ؟ ! لقد عانت معاناة شديدة من ظهور بوادر المخاض ، فما ذا تعمل ؟ إنها اعتصمت بالصبر ، وادرعت بالإيمان المتين ، وفوضت الأمر لله ربها ، وتوكلت عليها ، وهذه المشاعر الأليمة صوّرتها لنا الآيات التالية :
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 23 إلى 26 ]
فَأَجاءَهَا ( 1 ) الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 2 ) ( 23 ) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 3 ) ( 24 ) وهُزِّي إِلَيْكِ
هامش
( 1 ) أجاء : تعدية جاء ، معناه : اضطرها .
( 2 ) شيئا متروكا مهملا .
( 3 ) أي نهر ماء صغير .