تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1469

مساهمون:

ص١٤٦٩

التقي ذو نهية ( 1 ) . سلكت معه مسلكا لينا يعتمد على العقل والتقوى والحكمة ، فخوّفته أولا بالله عز وجل ، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي . وهذا دليل على عفافها وورعها ، حيث تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفاتنة . فأجابها جبريل بالأسلوب الهادىء نفسه ، مهدئا روعها ، ومزيلا مخاوفها : لست أريد بك سوءا ، ولكني رسول من عند الله الذي استعذت أو استجرت به ، بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا ، أي طاهرا من الذنوب ، ينمو على النزاهة والعفة . وقد نسب الهبة لنفسه : لأَهَبَ لإجراء الأمر على يده ، وبواسطته بأمر الله تعالى . وكأن نفخ الروح الذي فعله مجرد تعاط للأسباب ، والحقيقة : أي ليهب لك الله . فتعجبت مريم مما سمعت ، وقالت لجبريل : كيف يكون لي غلام ، وعلى أي صفة ، يوجد هذا الغلام مني ، ولست متزوجة ولم يقربني زوج ، ولا يتصور مني الفجور ، ولم أك يوما بغيا ، أي زانية ، أو مجاهرة مشتهرة بالزنى ، وأنا العذراء البتول ، والقائمة بعبادة الله قياما مستقلا متفرغا . فأجابها جبريل الأمين : إن الله قال : سيوجد منك غلاما ، وإن لم يكن لك زوج ، ولا من طريق الفاحشة ، وليجعله الله آية أو علامة للناس على قدرته ، حيث خلق آدم من غير ذكر وأنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى فقط ، وخلق أغلب الناس من الزوجين : الذكر والأنثى . وليكون هذا الغلام رحمة من الله يبعثه لعباده ، وطريق هدى لعالم كثير ، فينالون الرحمة بذلك ، يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وكان هذا الأمر قد أبرم به القضاء الإلهي ، وقدّره الله في سابق علمه ، لا يتغير ولا يتبدل ، أي إن الأمر قد قضي وانتجز ، ولا مرد منه . روي أن جبريل عليه السلام - حين قال لها هذه المقالة - نفخ في جيب درعها

هامش
( 1 ) النهية : واحدة النّهى وهي العقول لأنها تنهى عن القبيح .