تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1450

مساهمون:

ص١٤٥٠
قال ذو القرنين لبعض حاشيته : أما من ظلم نفسه بالإصرار على الشرك ، ولم يقبل دعوتي إلى الحق والخير ، فسنعذبه بالقتل في الدنيا ، ثم يرجع إلى ربه في الآخرة ، فيعذبه عذابا منكرا شديدا ، في نار جهنم . وأما من آمن بالله ربا واحدا لا شريك له ، وعمل العمل الصالح الذي يقتضيه الإيمان ، فله الجزاء الحسن ، وهو الجنة ، وسنطلب منه أمرا ذا يسر وسهولة ، ليرغب في دين الله والتزام أوامره . ثم أتبع ذو القرنين سببا آخر ، أي سلك طريقا آخر ، متجها من المغرب إلى المشرق ، حتى إذا وصل لمكان شروق الشمس من المعمورة ، وجد الشمس تطلع على قوم حفاة عراة ، لا شيء يسترهم من حر الشمس ، ولم يجد عندهم بيوتا ، وإنما يعيشون في مفازة أو بيداء ، لا مأوى فيها ، ولا شجر ، يعتمدون في المعيشة على السمك وما جاء به البحر . ومثل ذلك البلوغ للمشرق والمغرب ، علَّمنا ذا القرنين علوما نافعة ، وأطلعناه أو أخبرناه عن إحاطته بجميع ما يحتاجه من المعارف والخبرات والأفعال ، دون أن يخفى على الله منها شيء ، وهذا من أجل تحقيق الطمأنينة ، والرضا ، والله سبحانه عالم الغيب والشهادة ، لا يعرف الإنسان شيئا من تلك الغيبيات إلا بتعليم الله وإلهامه وإرشاده . وهذا تصوير لأحوال الأقوام البدائية ، وبيان أن الأنبياء والصلحاء والعلماء هم الذين يتمكنون من نقلة هؤلاء البدائيين إلى أرقى مدارج العز والمدنية والحضارة .

بلوغ ذي القرنين ما بين السدّين

لم تنته رحلة الرجل الصالح ذي القرنين في سبيل الله ومرضاته ، فهو لم يترك مكانا إلا زاره ، حاملا أصول الحضارة والمدنية والأخلاق ، ومبلَّغا الناس ما يؤمن به ،