فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ سَرَباً ( 1 ) ( 61 ) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاه آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 2 ) ( 62 ) قالَ أَرَأَيْتَ ( 3 ) إِذْ أَوَيْنا ( 4 ) إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 5 ) ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ ( 6 ) فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 7 ) ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناه رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) قالَ لَه مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِه خُبْراً ( 8 ) ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه صابِراً ولا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْه ذِكْراً ( 70 ) [ الكهف : 18 / 60 - 70 ] . سبب هذه القصة فيما روي عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لدى البخاري ومسلم : أن موسى عليه السلام جلس يوما في مجلس لبني إسرائيل ، وخطب فأبلغ ، فقيل له : هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ قال : لا ، فأوحى الله تعالى إليه : بلى ، عبدنا خضر ، فقال : يا رب ، دلَّني على السبيل إلى لقيّه ( 9 ) ، فأوحى الله تعالى إليه أن يسير بطول سيف البحر ، حتى يبلغ مجمع البحرين ، فإذا فقدت الحوت ، فإنه هنالك ، وأمر أن يتزود ويرتقب زواله عنه ، ففعل موسى ذلك ، وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة : لا أبرح السير ( أي لا أزال ) . وإنما قال هذه المقالة ، وهو سائر . ومجمع البحرين : إما في أرض فارس من وراء أذربيجان ، وإما عند طنجة أو بأفريقية أو حيث يجتمع بحر ملح وبحر عذب . هذه قصة ثالثة في سورة الكهف بعد قصة أصحاب الكهف ، وصاحب الجنتين والأموال ، وكلها تلتقي في التزهيد بالدنيا ونبذ الافتخار والإيمان بالله واليوم الآخر .
التفسير الوسيط — صفحة 1441
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤٤١
هامش
( 1 ) السرب : كالنفق .
( 2 ) تعبا وعناء .
( 3 ) أخبرني .
( 4 ) التجأنا .
( 5 ) اتخاذا يتعجب عنه .
( 6 ) الذي كنا نطلبه .
( 7 ) رجعا يتبعان آثارهما .
( 8 ) الخبر : العلم بالشيء ، والخبير : العالم بخفايا الأمور .
( 9 ) أي لقائه واستقباله .