تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1405

مساهمون:

ص١٤٠٥
منك بسبب إدبار قريش وتباعدهم عن الإيمان بالله والقرآن ، وإعراضهم عن الشرع ، فكأنهم من فرض إدبارهم قد بعدوا ، فهو عليه الصلاة والسلام في آثار توليهم وإعراضهم عن دعوته في ألم شديد وأسىّ وحزن عميق . والأسف في هذا الموضع : الحزن ، وذلك كما ورد في آيات كثيرة مشابهة ، مثل : ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [ النحل : 16 / 127 ] . ومثل : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 26 / 3 ] . ومن ذلك : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ . [ فاطر : 35 / 8 ] . ثم أخبر الله تعالى عن حقيقة الدنيا ، وأنها دار فناء وزوال واختبار ، لا دار بقاء وقرار ، فقال سبحانه : * ( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَها . . ) * الآية ، وهي توغل وبسط في الإيناس والتسرية ، أي لا تهتم للدنيا وأهلها ، فأمرها وأمر قومك وأمثالهم أقل ، لفنائه وذهابه ، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة ومفاتن زائلة ، كما أن أهلها زائلون ، لنعاملهم معاملة المختبرين الممتحنين ، ليعرف المحسن عمله من الفاسد ، فنجازي المحسن بالثواب ، والمسيء بالعقاب ، ومحسن العمل : الزاهد في الدنيا ، وتارك الاغترار بها ، وجاعلها وسيلة وجسرا للآخرة ، وذلك كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون » . وأراد بقوله : * ( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَها ) * أن كل ما على الأرض زينة ، وليس شيء إلا وفيه زينة ، من جهة خلقه وصنعته وإحكامه . ومعنى : * ( لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * أي لنختبرهم ، وفي هذا وعيد ما . قال سفيان الثوري : أحسنهم عملا : أزهدهم فيها . والواقع أن حسن العمل : يشمل الأخذ بحق ، والإنفاق في حق مع الإيمان ، وأداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والإكثار من المندوب إليه .