المناسبات وأحوال الوقائع والحوادث ، وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة النافعة في الدنيا والآخرة . ومعنى * ( فَرَقْناه ) * بيّناه وأوضحناه وجعلناه فرقانا .
وذلك لتبلَّغه أيها النبي الرسول للناس وتتلوه عليهم على مهل وتطاول في المدّة وتأن أو ترسّل في التلاوة ، ونزلناه إليك تنزيلا ، أي شيئا بعد شيء ، وقوله سبحانه :
* ( ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا ) * بعد قوله : * ( وقُرْآناً فَرَقْناه ) * لبيان كون التنزيل على حسب الحوادث .
ثم بعد هذا البيان القرآني ، قال تعالى : * ( قُلْ آمِنُوا بِه أَوْ لا تُؤْمِنُوا . . . ) * وهذه آية تحقير للكفار وتوعد ، أو أنها للوعيد دون التحقير ، والمعنى : أنكم لستم بحجّة ، فسواء علينا آمنتم أو كفرتم ، وإنما ضرر ذلك على أنفسكم ، وسترون ما تجازون به ، وإنما الحجة أهل العلم من قبله ، كما سيأتي .
وإن علماء أهل الكتاب الصالحين كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ونحو هما الذين تمسكوا بكتابهم ، ولم يبدلوه ولم يحرفوه ، إذا يتلى عليهم هذا القرآن ، يسجدون على وجوههم تعظيما لله عز وجل ، وشكرا على ما أنعم به عليهم ، وعلى بيانه الحق .
وقوله سبحانه : * ( يَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ ) * أي لناحيتها . والأذقان : أسافل الوجوه حيث يجتمع اللَّحيان ، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض ، ولا سيما عند سجوده . وهذا مبالغة في الخضوع والخشوع لله تعالى والخوف منه .
ويقولون في سجودهم : ( سبحان ربنا ) أي تنزه الله تعالى وتعاظم ، وإن وعد الله آت ، والله لا يخلف الميعاد ، إن وعده لمنجز ، واقع ، آت لا محالة .
وصفة سجودهم : أنهم يخرون ساجدين باكين ، خاشعين ، خاضعين لله عز وجل ، من خشية الله ، وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله ويزيدهم السجود خشوعا ، أي إيمانا وتسليما ، كما قال الله تعالى : والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) [ محمد : 47 / 17 ] .
التفسير الوسيط — صفحة 1396
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٣٩٦