تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1364

مساهمون:

ص١٣٦٤
الله تعالى إلى محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن شئت أفعل ذلك لهم ، فإن تأخروا عن الإيمان ، عاجلتهم العقوبة ، وإن شئت استأنيت بهم ، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين ، فقال رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « بل تستأني بهم يا رب » . فأخبر الله تعالى في هذه الآية : أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة من قريش إلا التمهل أو الاستيناء ، لأن عادة الله في الأمم السالفة هي تعجيلهم بالعقاب ، بعد أن جاءتهم الآية المقترحة ، فلم يؤمنوا . والمعنى : ما صرفنا عن الإتيان بما يقترحونه من الآيات إلا تكذيب المتقدمين الأولين بأمثالها ، فإن أتينا بها ، وكذب بها أهل مكة وأمثالهم ، عجلنا لهم العذاب ، ولم يؤخروا ، كما هي سنة الله في خلقه . وسمى الله تعالى سبق قضائه بتكذيب من كذّب وتعذيبه منعا في قوله تعالى : * ( وما مَنَعَنا ) * أي ما منعنا الإرسال إلا التكذيب . ومن أمثلة تلك الآيات المقترحة من السابقين الأولين وتكذيبهم بها : ناقة صالح عليه السلام لثمود ، فلما عقروها وكذبوا نبيهم ، عاجلهم الله بعذاب الصيحة ، وبقيت آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم ، يبصرها الذاهب والعائد ، كما قال الله تعالى : * ( وآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها ) * أي : وأعطينا قبيلة ثمود الناقة حجة واضحة دالة على وحدانية خالقها ، وصدق رسوله . وقوله * ( مُبْصِرَةً ) * أي حجة بيّنة ، أو ذات إبصار يدركها الناس ، أو معها إبصار لمن ينظر ، وهذا عبارة عن بيان أمرها ووضوح إعجازها . * ( فَظَلَمُوا بِها ) * أي كفروا بها ، ومنعوها حظها من الشرب ، وقتلوها ، ووضعوا الفعل غير موضعه ، أي بعقرها ، فأبادهم الله جميعا . وهذا للعبرة يقاس عليها ، لذا قال الله تعالى بعدئذ : * ( وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) * أي ولا نبعث بالآيات غير المقترحة إلا تخويفا للناس من نزول العذاب