القربة وسبب الوصول إلى البغية ، ويطلب من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله تعالى ، فكيف بغير الأقرب ؟ فكل من الكفار العابدين والمعبودين ينتظرون أن يكونوا أيهم أقرب ، ويرجون رحمة ربهم ، ويخافون عذابه ، فلا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء ، فبالخوف يبتعد الإنسان عن المعاصي ، وبالرجاء يكثر من الطاعات ، وعلة الخوف من العذاب : أن عذاب ربك كان مخوفا لا أمان لأحد منه ، فينبغي أن يحذره جميع العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم ، فكيف أنتم ؟
ثم أخبر الله تعالى بخبر عام قهر جميع الخلائق بواسطة ألا وهي الموت والهلاك ، ففي قول الله تعالى : * ( وإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ . . . ) * أخبر الله تعالى في هذه الآية : أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء ، وأخذها جزءا جزءا . وقيل : المراد : كل مدينة ظالمة فهي مهلكة ، أو معذبة عذابا شديدا بقتل أو ابتلاء ، لا ظلما ، وإنما بسبب ذنوب أهلها وظلمهم ، كان ذلك الحكم حكما عاما ، ثابتا ، مدوّنا في علم الله أو في اللوح المحفوظ ،
أخرج الترمذي عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب ، فقال : ما أكتب ؟ قال : اكتب المقدّر ، وما هو كائن إلى يوم القيامة » .
وعلى أي حال ، سواء كان التهديد بالإهلاك لكل قرية أو أهلها عموما ، أو قرية ظالمة ، فإن الخطر ينتظر الجميع ، والمسؤولية والجزاء يعمان الكل ، وهذا كاف في تخويف الناس وحملهم على التزام الطاعة ، والبعد عن المنكر والمعصية ، لأن من علم أنه مسؤول ومعرّض للعقاب ، اقتصد في إسرافه في المعاصي ، وأقبل على ساحات الطاعة ، حتى ينجو من العذاب الأليم . والهلاك الدنيوي إما أن يكون بسبب القحط والخسف غرقا ، وإما بالاقتتال بالفتن أو بهما معا ، وصور الهلاك كثيرة لا يعلمها
التفسير الوسيط — صفحة 1362
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٣٦٢