الآية : * ( ويَدْعُ الإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَه بِالْخَيْرِ ) * ذامّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأولادهم في وقت الغضب والتضجر ، فهم يدعون بالشّر في ذلك الوقت ، كما يدعون بالخير في وقت التثبت ، فلو أجاب الله دعاءهم في وقت الشر لأهلكهم ، ولكن الله تعالى يصفح ولا يجيب دعاء الضّجر المستعجل .
إن الله لطيف بعباده ، لا يجيب دعاء المتعجل بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ، كما يدعو ربّه بالخير ، أي بالعافية والسلامة والرزق ، ولو استجيب دعاؤه لهلك ، ولكن الله بفضله ورحمته لا يستجيب دعاءه ، كما قال الله سبحانه في آية أخرى :
ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [ يونس : 10 / 11 ] .
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه : أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لا تدعو على أنفسكم ، ولا على أموالكم ، أن توافقوا من الله ساعة إجابة ، يستجيب فيها » .
والذي يحمل الإنسان على ذلك مع الأسف : هو قلقه وعجلته ، وطمعه وحرصه ، كما صوّر القرآن هذا الطبع في قوله تعالى : * ( وكانَ الإِنْسانُ عَجُولًا ) * أي يتعجل تحصيل المطلوب ، دون تفكير في عواقبه .
وكلمة : ( الإنسان ) في الآية يراد بها الجنس ( وهو أيّ إنسان ) بحسب ما في الخلق من ذلك . وما على الإنسان إلا أن يتعقل ويصبر ولا يتعجل ، ويفوض الأمر للخالق البارئ المقدر ، ويهتدي بهداية القرآن في الإرشاد لما فيه حسن الختام والعاقبة ، ولما يتفق مع الواقع ، فليست الحياة جنة طافحة بالنعم والخير ، وإنما فيها الشر والشدة أحيانا ، كما أن فيها الخير واليسر والسعة أحيانا أخرى .
التفسير الوسيط — صفحة 1330
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٣٣٠