افتتحت هذه السورة كسورة البقرة بأحرف هجائية للتّنبيه والتّحدي والدّلالة على إعجاز القرآن المتكوّن من حروف هجائية هي مادّة لغة العرب التي يتفاخرون أنهم سادة البيان فيها . وآيات هذه السورة وآيات القرآن كلها آيات عظام القدر والشّأن ، أنزلها الله تعالى على قلب نبيّه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وهي حقّ لا شكّ فيه ، تمثّل جميع الشريعة القرآنية ، ولكن أكثر الناس لا يصدّقون بالمنزل إليك من ربّك ، ولا يقدرون ما في القرآن من سمو التشريع والأحكام ، ورعاية المصالح المناسبة لكل عصر وزمان . وهذا إخبار واقعي عن علم إلهي غيبي دالّ على إعجاز القرآن ، ينبئ عن أحوال الناس .
وإنزال القرآن مظهر من مظاهر القدرة الإلهية .
ومن مظاهر قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه : أنه سبحانه هو الذي خلق السماوات بغير أعمدة نشاهدها بالعين المجردة ، ثم استوى الله على أعظم المخلوقات وهو العرش استواء يليق به ، وسخّر أي ذلَّل الشمس والقمر ، وجعلهما طائعين لما أريد منهما من المنافع للناس ، من دوران وضياء ، وظهور واختفاء ، وكل منهما كغيرهما من الكواكب السّيارة يجري لأجل مسمى ، أي لمدة معينة ، هي نهاية الدنيا ومجئ القيامة ، أو أن الشمس تتم دورتها في خلال سنة ، والقمر في أثناء الشهر ، قال الله تعالى : ويُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِه [ الحجّ : 22 / 65 ] .
يدبّر الله أمر الكون ويصرّفه على وفق إرادته ومقتضى حكمته ، فيحيي ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويغني ويفقر ، ويهيّئ الأسباب للنتائج والمسبّبات ، يفصّل الآيات ، أي يبيّن الدلائل الدّالة على وجوده تعالى ، ووحدانيته ، وقدرته ، وحكمته وعلمه ورحمته ، رجاء أن تتيقّنوا أيها الناس ، أو لتعلموا علم اليقين أن القرآن حقّ ، وأن الله قادر على البعث والإعادة ، والحساب والجزاء يوم القيامة . فالذي قدر على خلق السماوات والأرض وما بينهما ، ودبّر نظام الكون والحياة وشؤون الخلق بدقّة
التفسير الوسيط — صفحة 1145
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١١٤٥