حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ ( 1 ) الرُّسُلُ وظَنُّوا ( 2 ) أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ( 3 ) جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا ( 4 ) عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ( 5 ) لأُولِي الأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى ( 6 ) ولكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) [ يوسف : 12 / 109 - 111 ] . الآية الأولى : * ( . . إِلَّا رِجالًا . . . ) * تتضمن الرّد على مستغربي إرسال الرّسل من البشر ، كالطائفة التي قالت : أَبَعَثَ اللَّه بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 17 / 94 ] ، وكالطائفة التي اقترحت ملكا وغيرهما . والمعنى : وما أرسلنا يا محمد من قبلك رسلا إلا رجالا ، لا ملائكة ولا إناثا ، فهم من العنصر البشري القوي الكامل ، وكانوا من أهل المدن مدنيّين ، لا أعرابا من البوادي ، وكنا ننزل عليهم الوحي والتشريع . وهذا يدلّ على أن الرّسل من البشر ، لا من الملائكة ، ومن أهل المدن المتحضّرين لا من البدائيين ، ومن الذّكور الرجال ، لا من النّساء ، فلم تكن امرأة قطَّ نبيّا ولا رسولا ، ولم يبعث الله رسولا من أهل البادية ، لأن فيهم عادة الجهل والجفاء ، ولتتبعهم المدن الأخرى ، ولأن أهل المدن أرقّ طبعا وأكثر خبرة وتلطَّفا من أهل البوادي . ثم هدّد الله المشركين على تكذيبهم بالرسول محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، أفلم يسر هؤلاء المكذّبون لك يا محمد في الأرض ، فينظروا ويروا كيف كان مصير الأمم المكذّبة للرّسل ، كيف دمّر الله عليهم ، كقوم نوح وهود وصالح ولوط عليهم السّلام ، وللكافرين أمثال تلك الألوان من العذاب ، فإن عاقبة الكافرين الهلاك ، وعاقبة المؤمنين النّجاة . ثم حضّ الله تعالى على العمل للدار الآخرة والاستعداد لها ، فهي خير للذين خافوا لقاء الله ، فلم يشركوا به ولم يعصوه ، فهي أفضل من دار الدنيا لأولئك المشركين المكذّبين
التفسير الوسيط — صفحة 1142
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١١٤٢
هامش
( 1 ) يئسوا من النّصر .
( 2 ) توهّم الرّسل .
( 3 ) كذبهم رجاؤهم النّصر في الدنيا .
( 4 ) عذابنا .
( 5 ) عظة .
( 6 ) يختلق .