وإنما أراد هو وأحمد وغيرهما من الأئمة النهى عن الخوض في مسائل الكلام وكلام البخاري عندنا محمول على ذكر ذلك عند الاحتياج إليه فالكلام في الكلام عند الاحتياج واجب والسكوت عنه عند عدم الاحتياج سنة
فافهم ذلك ودع خرافات المؤرخين واضرب صفحا عن تمويهات الضالين الذين يظنون أنهم محدثون وأنهم عند السنة واقفون وهم عنها مبعدون وكيف يظن بالبخاري أنه يذهب إلى شئ من أقوال المعتزلة وقد صح عنه فيما رواه الفربري وغيره أنه قال إني لأستجهل من لا يكفر الجهمية
ولا يرتاب المنصف في أن محمد بن يحيى الذهلي لحقته آفة الحسد التي لم يسلم منها إلا أهل العصمة
وقد سأل بعضهم البخاري عما بينه وبين محمد بن يحيى فقال البخاري كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم والعلم رزق الله يعطيه من يشاء
ولقد ظرف البخاري وأبان عن عظيم ذكائه حيث قال وقد قال له أبو عمرو الخفاف إن الناس خاضوا في قولك لفظي بالقرآن مخلوق يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أنى قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله إلا أنى قلت أفعال العباد مخلوقة
قلت تأمل كلامه ما أذكاه ومعناه والعلم عند الله إني لم أقل لفظي بالقرآن مخلوق لأن الكلام في هذا خوض في مسائل الكلام وصفات الله التي لا ينبغي الخوض فيها إلا للضرورة ولكني قلت أفعال العباد مخلوقة وهى قاعدة مغنية عن تخصيص هذه المسألة بالذكر فإن كل عاقل يعلم أن لفظنا من جملة أفعالنا وأفعالنا مخلوقة فألفاظنا مخلوقة
طبقات الشافعية الكبرى — صفحة 230
مساهمون: عبد الوهاب بن علي السبكي
ص٢٣٠