ولم يكن شأن البصرة بمختلف عن الكوفة ، فهي رغم عدم مماشاتها هذه الأخيرة بنفس
الحماسة في قضاياها السياسية ، فان موقفها من النظام الأموي كان معروفا ولم يتعد
حدود التسليم بالأمر الواقع . لذلك لم يكن عبد الله بن عامر ، الوالي المعين في
البصرة ، الشخصية المؤهلة ، بنظر معاوية ، لتنفيذ سياسته العراقية . وأخذ حينئذ يبحث عن
شخصية قوية يعهد إليها بحكم العراق بكامله حيث ضاق ذرعا بسلوك المغيرة في الكوفة ،
فوجد أن أفضل من يقوم بهذا الدور هو زياد بن أبيه عامل علي السابق على فارس ، وكان
لا يزال يحتفظ بمنصبه ويرفض الاعتراف بمعاوية . واستطاع معاوية اقناعه بالانضمام
اليه وذلك بعدما استلحقه بأسرته ( 1 ) . وقد شغل المغيرة دورا بارزا في اقناع زياد
بالتخلي عن رفضه للنظام الأموي والانقلاب إلى التعاون معه .
ولم يلبث زياد أن صار أميرا على البصرة ( 45 هجري ) فنجح في مهمته إلى حد كبير ، وأدى
لمعاوية فوق ما يتطلبه من خدمات . وكانت خطبته الشهيرة ( البتراء ) التي فاجأ بها أهل
البصرة مؤشرا لسلوكه الجديد وبرنامجا واضحا لسياسته العراقية المقبلة التي ستمتد
على كل العراق بعد وفاة المغيرة ( 2 ) وانتقال الكوفة اليه .
هامش
( 1 ) تاريخ خليفة 1 / 241 .
( 2 ) تاريخ خليفة 1 / 247 ، سنة خمسين للهجرة .