من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا .
* ( فَانْظُرْ ) * - أيها العاقل - وتأمل * ( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا .
هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها من أجمع الآيات القرآنية التي حكت الأقوال الباطلة التي تفوه بها المشركون ، وردت عليهم ردا منطقيا حكيما يهدمها من قواعدها .
لقد ذكرت - أولا - أنهم جعلوا للَّه - تعالى - من عباده جزءا . . . ثم ردت عليهم بأنهم جاحدون لنعم اللَّه ، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذي يدل على جهلهم وغفلتهم ، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا - على سبيل الفرض والتقدير - لما اختار - سبحانه - لذاته جنس البنات ، وأعطاهم البنين . .
ثم ذكرت - ثانيا - حالهم عندما يبشرون بالأنثى ، وتهكمت بهم حين نسبوا إلى اللَّه * ( مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) * والمقصود بذلك جنس البنات ، ثم ذكرت - ثالثا - أنهم حكموا على الملائكة بأنهم إناث ، وردت عليهم بأن حكمهم هذا ساقط ، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم هذا الحكم الفاسد ، وأنهم سيجازون على أحكامهم التي لا دليل عليها ، بما يستحقون من عقاب .
ثم ذكرت - رابعا - معاذيرهم التي اعتذروا بها عندما حاصرتهم الحجج الدامغة ، فقد قالوا : * ( لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ) * فرد - سبحانه - عليهم بقوله : * ( ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) * ، لأن قولهم هذا ما هو إلا لون من ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطة .
ثم ذكرت - خامسا - أنهم في إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل عقلي أو نقلي ، وإنما استندوا على شيء واحد هو التقليد لآبائهم في جهلهم وضلالهم . .
وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم . . ثم رد عليها بما يدحضها . .
وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة . . أتبع - سبحانه - ذلك بذكر جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، وبذكر جانب من اعتراضاتهم على الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وعلى دعوته ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - :
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 26 إلى 35 ]
وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لأَبِيه وقَوْمِه إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّه سَيَهْدِينِ ( 27 ) وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) ولَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وإِنَّا بِه كافِرُونَ ( 30 )
وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) ولَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) ولِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وزُخْرُفاً وإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 )