تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
ذريته من بعده ، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا اللَّه ثم استقاموا . ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - في سورة الصافات : سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّه مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . وبارَكْنا عَلَيْه وعَلى إِسْحاقَ ، ومِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِه مُبِينٌ . . . ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - ، على معنى أنه أوصى ذريته من بعده بعبادة اللَّه - تعالى - وحده ، وأنه دعا ربه أن يجعل في ذريته من يعبده وحده . فيكون المعنى : وجعل إبراهيم هذه الكلمة وهي كلمة التوحيد باقية في ذريته حيث أوصاهم بعبادة اللَّه وحده . ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ووَصَّى بِها - أي بكلمة التوحيد - إِبْراهِيمُ بَنِيه ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّه اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - الحكمة في ذلك الجعل فقال : * ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * أي : جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كلمة التوحيد من أشرك من ذرية إبراهيم ، ببركة دعائه لهم بالإيمان ودعاء من آمن منهم . فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا اللَّه - تعالى - بقوله : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِنْ ذُرِّيَّتِي . . . وبقوله : واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ . وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ) * إضراب عن كلام محذوف ينساق إليه الكلام ، والمراد « بهؤلاء » أهل مكة المعاصرين للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقوله : * ( مَتَّعْتُ ) * من التمتع بمعنى إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة ، واشتغالهم بذلك عن طاعة اللَّه - تعالى - وشكره . والمعنى : اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية في بعض ذرية إبراهيم لعل من بقي من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها ، ولكنهم لم يرجعوا بل أصروا على كفرهم ، فلم أعاجلهم بالعقوبة ، بل متعت هؤلاء المشركين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - بأن أمددتهم بالنعم المتعددة هم وآباءهم ، وبقيت تلك النعم فيهم : * ( حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ) * وهو دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، وجاءهم * ( رَسُولٌ مُبِينٌ ) * هو أنت - أيها الرسول الكريم - فإن رسالتك واضحة المعالم ، بينة المقاصد ، ليس فيها شيء من الغموض الذي يحملهم على الإعراض عنها .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 122 .