تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فالمراد بالكتابة والسؤال : معاقبتهم على افترائهم الكذب . وتجهيلهم فيما قالوه ، ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان معاذيرهم الكاذبة فقال : * ( وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ) * . أي : وقال هؤلاء المشركون على سبيل الاحتجاج بالأعذار الباطلة : لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للملائكة أو للأصنام ما عبدناهم . ثم يرد اللَّه - تعالى - عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويهدم معاذيرهم فقال : * ( ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) * . أي . قالوا ما قالوه من غير علم أو برهان . . لأن مشيئة اللَّه لا يعلمها أحد سواه ، ولأنه - سبحانه - قد اقتضت حكمته ومشيئته . أن يجعل للإنسان القدرة على اختيار طريق الحق أو طريق الباطل ، وهم قد اختاروا طريق الباطل ، واستحبوا الكفر على الإيمان دون أن يكرههم على ذلك مكره ، فما قالوه ما هو إلا نوع من أنواع خرصهم وكذبهم وظنونهم الفاسدة . وقد فصلنا القول في مسألة المشيئة عند تفسيرنا لقوله - تعالى - في سورة الأنعام : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّه ما أَشْرَكْنا . . . وعند تفسيرنا لقوله - تعالى - في سورة النحل : وقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّه ما عَبَدْنا مِنْ دُونِه مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِه فَهُمْ بِه مُسْتَمْسِكُونَ ) * إضراب عن نفى أن يكون لهم فيما ادعوه علم عن طريق العقل ، إلى إبطال أن يكون لهم علم من جهة النقل . و * ( أَمْ ) * بمعنى بل والهمزة . والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، أي : بل أأعطيناهم كتابا من قبل القرآن ، فيه ما يشهد بصحة أقوالهم فهم بهذا الكتاب مستمسكون ؟ كلا إننا لم نعطهم شيئا من ذلك . ثم بين - سبحانه - مستندهم الحقيقي فقال : * ( بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) * . أي : أنهم ليس لهم في الحقيقة مستند لا من العقل ولا من النقل ، وإنما مستندهم الوحيد تقليدهم لآبائهم في جهالاتهم وسفاهاتهم وكفرهم . فقد قالوا عندما دعاهم الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى الدين الحق : إنا وجدنا آباءنا على أمة ، أي على دين وطريقة تؤم وتقصد ، وهي عبادة هذه الآلهة * ( وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ ) * وطريقتهم * ( مُهْتَدُونَ ) * أي : سائرون بدون تفكر أو تدبر ، أو
هامش
( 1 ) راجع تفسيرنا لهذه الآية ص 143 من تفسير سورة النحل .