تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر ، ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم ، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن قبائحهم اقتضت الإعراض عنهم ، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها . و * ( بِما ) * في قوله * ( بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ) * موصولة ومعناها البنات وضرب بمعنى جعل ، والمفعول الأول الذي هو عائد الموصول محذوف . أي : ضربه ، ومثلا هو المفعول الثاني ، والمثل بمعنى الشبه أي المشابه « 1 » . ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيتهم السابق تبكيتا آخر فقال : * ( أَومَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) * . والاستفهام للإنكار . وكلمة * ( مَنْ ) * عبارة عن جنس الإناث ، وهي في محل نصب بمضمر معطوف على * ( جَعَلُوا ) * و * ( يُنَشَّؤُا ) * يربى وينشأ . يقال : نشأ فلان في بنى فلان ، إذا شب وترعرع فيهم و * ( الْحِلْيَةِ ) * : اسم لما يتحلى ويتزين به . أي : أيجترئون ويجعلون للَّه - تعالى - الإناث ، اللائي من شأنهن أن ينشأن في الزينة ، لأن هذه الحياة هي المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدي ، واللائي من شأن معظمهن أنهن لا يقدرن على الدفاع عن أنفسهن لضعفهن وقصورهن في الجدال وفي بيان الحجة التي ترد الخصم ، وتزيل الشبهة . . فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوء أدبهم ، حيث إنهم نسبوا إلى اللَّه - تعالى - الإناث اللائي من شأنهن النشأة في الحلية والدعة والنعومة ، فصرن بمقتضى هذه النشأة ، وبمقتضى تكوينهن البدني والعقلي ، لا يقدرن على جدال أو قتال . . بينما نسبوا إلى أنفسهم الذكور الذين هم قوامون على النساء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَه الأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى . ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب فقال : * ( وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ . . ) * والجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء ، كما تقول جعلت زيدا أفضل الناس ، أي حكمت عليه بذلك . أي : أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن ، وصفوة خلقه ، وأهل طاعته ، زعموا أنهم إناث ، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل ؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين ، ولذا * ( سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ) * في صحائف أعمالهم المليئة بالسيئات * ( ويُسْئَلُونَ ) * عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم القيامة .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 80 .