أي : أنهم عند رؤيتهم لجهنم يقولون هل من طريق للهرب من هذا العذاب لكي نرجع إلى الدنيا فنؤمن باللَّه - تعالى - ونعمل صالحا ، فلما وجدوا أنه لا طريق إلى ذلك زاد انكسارهم وذلهم وتراهم - أيها العاقل - يعرضون على النار عرضا مؤلما ، فهم خاضعون متضائلون من شدة ما أصابهم من ذل ، يسترقون النظر إلى النار من طرف خفى ، أي : من عين لا تكاد تتحرك من شدة ضعفها وهوانها . . .
قال صاحب الكشاف : * ( خاشِعِينَ ) * متضائلين متقاصرين بما يلحقهم ، وقوله * ( مِنَ الذُّلِّ ) * متعلق بخاشعين - * ( يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) * أي : يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقته كما ترى المصبور - أي المحبوس للقتل - ينظر إلى السيف ، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره ، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ، ويملأ عينيه منها ، كما يفعل الناظر إلى الشيء المحبوب . . . » « 1 » .
ثم بين - سبحانه - ما يقوله المؤمنون الفائزون برضا اللَّه - تعالى - بعد رؤيتهم لأحوال هؤلاء الظالمين فقال : * ( وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ) * .
أي : وقال المؤمنون - على سبيل التحدث بنعمة اللَّه عليهم - بعد أن رأوا انكسار الظالمين وذلتهم . . . قالوا هؤلاء هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة بتعريضها للعذاب المهين ، وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا معهم في النار فلن ينفعوهم بشيء ، وإن كانوا في الجنة فلن يستطيعوا الوصول إليهم . . .
ألا إن ذلك العذاب المقيم الذي حل بهؤلاء الظالمين هو الخسران التام الكامل الذي لا خسران أفظع منه .
* ( وما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه . . ) * أي : لم يكن لهؤلاء الظالمين من نصراء أو شفعاء يحولون بينهم وبين العذاب الذي أعده - سبحانه - لهم بسبب ظلمهم وكفرهم .
* ( ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه ) * أي : ومن يضله اللَّه - تعالى - عن طريق الهداية والرشاد * ( فَما لَه مِنْ سَبِيلٍ ) * أي فما له من طريق إلى الهدى أو النجاة .
ثم يوجه - سبحانه - أمره إلى هؤلاء المعاندين ، يدعوهم إلى الاستجابة للحق من قبل أن
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 231 .