تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
أي : أن من انتصر لدينه وعرضه ، بعد ظلم الظالم له ، فأولئك الذين يفعلون ذلك ، لا يؤاخذون من أحد ، ولا يلامون من غيرهم ، لأنهم باشروا حقهم الذي شرعه اللَّه - تعالى - لهم ، وهو مقابلة السيئة بمثلها . ثم بين - سبحانه - على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال : * ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) * . أي : إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من الناس ، ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم في الأرض بغير الحق . وقيد - سبحانه - البغي في الأرض بكونه بغير الحق ، لبيان أنه لا يكون إلا كذلك ، إذ معناه في اللغة تجاوز الحد . يقال : بغى الجرح ، إذ تجاوز الحد في فساده ، فهذا القيد إنما هو لبيان الواقع ، وللتنفير منه . * ( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * أي : أولئك الذين من صفاتهم الظلم والبغي لهم عذاب أليم ، بسبب ما اجترحوه من ظلم وبغى . ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال : * ( ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) * . أي : وللإنسان الصابر على الأذى الذي يصفح عمن أساء إليه ، الثواب الجزيل ، والعاقبة الحسنة ، لأن ذلك الصبر والمغفرة منه ، لمن الأمور التي تدل على علو الهمة ، وقوة العزيمة . . هذا ، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد مدحت المؤمنين الصادقين بجملة من الصفات الحميدة ، التي تعتبر على رأس الصفات الأساسية ، لكل أمة تريد أن تنال الظفر والسعادة في دنياها وآخرتها . وبعد هذا الحديث عن المؤمنين وعن صفاتهم الكريمة وعما أعده سبحانه لهم من ثواب ، جاء الحديث عن الظالمين وما أعد لهم من عقاب ، وأمرهم - سبحانه - بالاستجابة لدعوة الحق من قبل أن يأتي يوم الحساب ، الذي لا ينفعهم فيه شفيع أو نصير ، فقال - تعالى - :

[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 44 إلى 48 ]

ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِه وتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَه مِنَ اللَّه ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ( 47 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 44 | سيد محمد طنطاوي