تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وقوله - تعالى - * ( لِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ . . ) * بيان لكمال قدرته - سبحانه - ، ولنفاذ مشيئته . والملك - بضم الميم - الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه . أي : للَّه - تعالى - وحده ملك جميع ما في السماوات والأرض ، وليس لأحد معه شيء لا اشتراكا ولا استقلالا ، وهو - سبحانه - « يخلق ما يشاء » أن يخلقه ، من غير أن يكون لأحد وصاية عليه ، أو اختيار لشيء معين . . ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر هذه القدرة التامة ، والإرادة النافذة فقال : * ( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وإِناثاً ويَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ) * فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل ، أو بدل بعض من كل . وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن هذه الأقسام الأربعة فهو - سبحانه - إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن ، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهم ، وإما أن يهب لبعضهم الإناث والذكور معا وهذا معنى قوله - تعالى - * ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وإِناثاً ) * إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات . وإما أن يجعل بعضهم عقيما ، أي : لا ذرية له ، ذكرا كان أو أنثى . يقال رجل عقيم وامرأة عقيم ، إذا كانا لا ذرية لهما . وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة في حياة الناس ، فمنهم من معه الإناث فقط ، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإناث ومنهم من ليس معه منهما شيء وهذا كله يدل على كمال قدرته - سبحانه - ، وعلى نفاذ إرادته وحكمته ، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله ، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه . فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد اللَّه - تعالى - وحده ، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده ، وهو - سبحانه - يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ليس لأحد مدخل في اختيار نوع معين من الذرية ، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شيء منها ، إذا أراد اللَّه منعه من ذلك . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : « فإن قلت : لم قدم الإناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن ، ثم رجع فقدمهم ؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث ؟ قلت : قدم الإناث لبيان أنه - سبحانه - يفعل ما يشاء ، لا ما يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، والأهم واجب التقديم . . . وأخر - سبحانه - الذكور ، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم ، وهم أحقاء بالتقديم