تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يداوم على استغفاره وطاعته للَّه - تعالى - وأن يأمر اتباعه بالاقتداء به في ذلك فقال : * ( فَاعْلَمْ أَنَّه لا إِله إِلَّا اللَّه ) * . والفاء في قوله : * ( فَاعْلَمْ ) * للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما مر من آيات . والتقدير : إذا تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء ، فاعلم أنه لا إله إلا اللَّه ، وأثبت على هذا العلم ، واعمل بمقتضاه ، واستمر على هذا العمل * ( واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) * أي : واستغفر اللَّه - تعالى - من أن يقع منك ذنب ، واعتصم بحبله لكي يعصمك من كل مالا يرضيه . واستغفر - أيضا * ( لِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ) * بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة * ( واللَّه ) * - تعالى - بعد كل ذلك * ( يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ومَثْواكُمْ ) * أي يعلم كل متقلب وكل إقامة لكم سواء أكانت في بر أم في بحر أم في غيرهما . والمقصود : أنه - تعالى - يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى عليه شيء منها ، والمتقلب : المتصرف ، من التقلب وهو التصرف والانتقال من مكان إلى آخر . والمثوى : المسكن الذي يأوى إليه الإنسان ، ويقيم به . قال الإمام ابن كثير : وقوله : * ( فَاعْلَمْ أَنَّه لا إِله إِلَّا اللَّه ) * هذا إخبار بأنه لا إله إلا اللَّه ، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك ، ولهذا عطف عليه بقوله : * ( واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ) * . وفي الصحيح أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يقول : « اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافى في أمرى ، وما أنت أعلم به منى . اللهم اغفر لي هزلى وجدي ، وخطئى وعمدي ، وكل ذلك عندي » . وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة : « اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت . وما أنت أعلم به منى ، أنت إلهي لا إله إلا أنت » . وفي الصحيح أنه قال : « يا أيها الناس . توبوا إلى ربكم فإني أستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » « 1 » . ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المداومة على استغفار اللَّه - تعالى - والتوبة إليه توبة صادقة نصوحا . لأنه إذا كان الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو الذي غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - قد أمره - سبحانه - بالاستغفار ، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك ، لأن الاستغفار بجانب أنه
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 298 .