تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
مهتد في منهجه وسلوكه ، والفريق الثاني في النقيض منه . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال : * ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) * . والمراد بالمثل هنا : الصفة . وهو مبتدأ ، والكلام على تقدير الاستفهام الإنكارى ، وتقدير مضاف محذوف ، والخبر قوله - تعالى - : * ( كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ) * . أي : أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار ، أو : أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار ، وقدر الاستفهام في المبتدأ لأنه مرتب على الإنكارى السابق في قوله : * ( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّه ) * . ورحم اللَّه - تعالى - صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت ما معنى قوله - تعالى - : * ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ ) * كمن هو خالد في النار ؟ قلت : هو كلام في صورة الإثبات ، ومعناه النفي والإنكار ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإنكار ، ودخوله في حيزه ، وانخراطه في سلكه ، وهو قوله - تعالى - : * ( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّه كَمَنْ زُيِّنَ لَه سُوءُ عَمَلِه . . ) * ؟ فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد في النار ، أي كمثل جزاء من هو خالد في النار ؟ فإن قلت : فلم عرّى في حرف الإنكار ؟ وما فائدة التعرية ؟ قلت : تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها الأنهار ، وبين النار التي يسقى أهلها الجحيم . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) * تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة أي : صفة الجنة التي وعد اللَّه - تعالى - بها عباده المتقين ، أنها فيها أنهار من ماء ليس متغيرا في طعمه أو رائحته ، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس . والماء الآسن : هو الماء الذي تغير طعمه وريحه ، لطول مكثه في مكان معين . يقال : أسن الماء يأسن - كضرب - يضرب ، إذا تغير . * ( وأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُه ) * أي : وفيها - أيضا - أنهار من لبن لم يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التي تشرب في الدنيا .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 321 .