تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم ، وما أعده للكافرين من عذاب أليم ، فقال : * ( إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ . والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ . . ) * أي يتمتعون وينتفعون بملاذ الدنيا أياما قليلة . * ( ويَأْكُلُونَ ) * مآكلهم بدون تفكر أو تحر للحلال أو شكر للَّه * ( كَما تَأْكُلُ الأَنْعامُ ) * طعامها الذي يلقيه إليها صاحبها . فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء الكافرين ، لشبههم بالأنعام التي لا تعقل ، في كونهم يأكلون طعامهم دون أن يشكروا اللَّه - تعالى - عليه ، ودون أن يفرقوا بين الحلال والحرام ، ودون أن يرتفعوا بإنسانيتهم عن مرتبة الحيوان الأعجم . قال الآلوسي : والمعنى أن أكلهم مجرد عن الفكر والنظر ، كما تقول للجاهل : تعيش كما تعيش البهيمة ، فأنت لا تريد التشبيه في مطلق العيش ، ولكن في خواصه ولوازمه . وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم « 1 » . وقوله : * ( والنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) * بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة ، بعد بيان صورتهم القبيحة في الدنيا . والمثوى : اسم مكان لمحل إقامة الإنسان . أي : والنار هي المكان المعد لنزولهم فيه يوم القيامة . ثم سلى - سبحانه - نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال : * ( وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ) * . وكلمة * ( كَأَيِّنْ ) * مركبة من كاف التشبيه وأي الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز بعدها . وهي مبتدأ . . وقوله : * ( أَهْلَكْناهُمْ ) * خبرها . و * ( مِنْ قَرْيَةٍ ) * تمييز لها . والمراد بالقرية أهلها ، وهم مشركو قريش . أي : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجوك منها - أيها الرسول الكريم - فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ناصر ، أو أن يجيرهم من عذابنا مجير . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 26 ص 46 .