تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين ، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن ، وكان عيسى مأمورا بالعمل بمعظم ما فيه أو بكله . وقال عطاء : لأنهم كانوا على اليهودية ، وهذا القول يحتاج إلى نقل صحيح . وعن ابن عباس : أن الجن لم تكن سمعت بعيسى ، فلذا قالوا ذلك . وفي هذا القول بعد ، فإن اشتهار أمر عيسى ، وانتشار أمر دينه ، أظهر من أن يخفى ، لا سيما على الجن ، ومن هنا قال أبو حيان : إن هذا لا يصح عن ابن عباس « 1 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على إيمانهم بما سمعوه فقال : * ( يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّه . . . ) * . أي : وقالوا لقومهم - أيضا - : يا قومنا أجيبوا داعي اللَّه الذي دعاكم إلى الحق وإلى طريق مستقيم . * ( وآمِنُوا بِه ) * أي : وآمنوا بهذا الرسول الكريم وبما جاء من عند ربه . * ( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) * أي : أجيبوا داعي اللَّه وآمنوا به ، يغفر لكم ربكم من ذنوبكم التي وقعتم فيها ، ويبعدكم بفضله ورحمته من عذاب أليم . والتعبير بقوله : * ( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) * يدل على حسن أدبهم ، وعلى أنهم يفوضون المغفرة إلى ربهم ، فهو - سبحانه - إن شاء غفرها جميعا ، وإن شاء غفر بعضها . ثم ختموا الترغيب في الإيمان بالترهيب من الإصرار على الكفر والمعاصي فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : * ( ومَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّه فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ ) * . أي : قالوا لقومهم إنكم إذا أجبتم داعي اللَّه ، غفر لكم - سبحانه - ذنوبكم أما الذي يعرض عن هذا الداعي الصادق الأمين ، فإنه لن يستطيع أن يفلت من عذاب اللَّه ، ولن يقدر على الهرب من عقابه ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . * ( ولَيْسَ لَه مِنْ دُونِه أَوْلِياءُ ) * أي : وليس لهذا المعرض من أنصار يستطيعون دفع عذاب اللَّه عنه . * ( أُولئِكَ ) * أي : الذين لم يجيبوا داعي اللَّه * ( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * أي : في ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات :
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 26 ص 32 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 206 | سيد محمد طنطاوي