تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
أقوالهم وأعمالهم ، وهم - لقوة إيمانهم - يخشون التقصير في أي جانب من جوانب طاعتهم له - عز وجل - . وقد جاءت هذه الصفات الكريمة - كما يقول الإمام الرازي - في نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي ، والثانية : دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم ، والثالثة دلت على شدة إخلاصهم ، والرابعة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين ، رزقنا اللَّه - سبحانه - الوصول إليها « 1 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) * يعود إلى هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات الجليلة . وهذه الجملة خبر عن قوله - تعالى - : * ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) * وما عطف عليه ، فاسم « إن » : أربع موصولات ، وخبرها جملة * ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ . . . ) * أي : أولئك الموصوفون بتلك الصفات ، يبادرون برغبة وسرعة إلى فعل الخيرات ، وإلى الوصول إلى ما يرضى اللَّه - تعالى - * ( وهُمْ لَها ) * أي : لهذه الخيرات وما يترتب عليها من فوز وفلاح * ( سابِقُونَ ) * لغيرهم . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة المشتملة على صفات المؤمنين الصادقين ، ببيان أن هذه الصفات الجليلة لم تكلف أصحابها فوق طاقتهم ، لأن الإيمان الحق إذا خالطت بشاشته القلوب يجعلها لا تحس بالمشقة عند فعل الطاعات ، وإنما يجعلها تحس بالرضا والسعادة والإقدام على فعل الخير بدون تردد ، فقال - تعالى - * ( ولا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . . . ) * أي : وقد جرت سنتنا فيما شرعناه لعبادنا من تشريعات ، أننا لا نكلف نفسا من النفوس إلا في حدود طاقتها وقدرتها . كما قال - تعالى - : لا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » . والمراد بالكتاب في قوله - تعالى - : * ( ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ . . ) * كتاب الأعمال الذي يحصيها اللَّه - تعالى - فيه ويشهد لذلك قوله - سبحانه - : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ . إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 3 » وقوله - تعالى - ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه . . « 4 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 200 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 286 . ( 3 ) سورة الجاثية الآية 29 . ( 4 ) سورة الكهف الآية 49 .