تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
انحدر إلى هذا الفعل القبيح ، ولما فرح بعمل شيء من شأنه أن يحزن له كل عاقل . والخطاب في قوله - تعالى - : * ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) * للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والضمير المنصوب « هم » للمشركين . والغمرة في الأصل : الماء الذي يغمر القامة ويسترها ، إذ المادة تدل على التغطية والستر . يقال : غمر الماء الأرض إذا غطاها وسترها . ويقال : هذا رجل غمر - بضم الغين وإسكان الميم - إذا غطاه الجهل وجعله لا تجربة له بالأمور . ويقال : هذا رجل غمر - بكسر الغين - إذا غطى الحقد قلبه والمراد بالغمرة هنا : الجهالة والضلالة ، والمعنى : لقد أديت - أيها الرسول - الرسالة ، ونصحت لقومك . وبلغتهم ما أمرك اللَّه - تعالى - بتبليغه ، وعليك الآن أن تترك هؤلاء الجاحدين المعاندين في جهالاتهم وغفلتهم وحيرتهم * ( حَتَّى حِينٍ ) * أي : حتى يأتي الوقت الذي حددناه للفصل في أمرهم بما تقتضيه حكمتنا . وجاء لفظ « حين » بالتنكير ، لتهويل الأمر وتفظيعه . ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك في السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير المحتوم ، الذي سيفاجئهم بما لا يتوقعون . فيقول : * ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِه مِنْ مالٍ وبَنِينَ . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ . ) * والهمزة في قوله * ( أَيَحْسَبُونَ ) * للاستفهام الإنكارى . و « ما » موصولة ، وهي اسم « أن » وخبرها جملة « نسارع لهم . . . » والرابط مقدر أي : به . أي : أيظن هؤلاء الجاهلون . أن ما نعطيهم إياه من مال وبنين ، هو من باب المسارعة منا في إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم وإكرامنا لهم ؟ كلا : ما فعلنا معهم ذلك لتكريمهم ، وإنما فعلنا ذلك معهم لاستدراجهم وامتحانهم ، ولكنهم لا يشعرون بذلك . ولا يحسون به لانطماس بصائرهم ولاستيلاء الجهل والغرور على نفوسهم . فقوله - سبحانه - * ( بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) * إضراب انتقالي عن الحسبان المذكور وهو معطوف على مقدر ينسحب إليه الكلام . أي : ما فعلنا ذلك معهم لإكرامنا إياهم كما يظنون ، بل فعلنا ما فعلنا استدراجا لهم ، ولكنهم لا شعور لهم ولا إحساس ، وما هم إلا كالأنعام بل هم أضل . لذا قال بعض الصالحين : من يعص اللَّه - تعالى - ولم ير نقصانا فيما أعطاه - سبحانه - من الدنيا . فليعلم أنه مستدرج قد مكر به .