تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وقوله - عز وجل - : * ( والَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ) * صفة ثالثة لهم . أي : أنهم يخلصون العبادة للَّه - تعالى - وحده ، ويقصدون بأقوالهم وأعمالهم وجهه الكريم ، فهم بعيدون عن الرياء والمباهاة بطاعاتهم . ثم بين - سبحانه - صفتهم الرابعة فقال : * ( والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ . ) * قرأ القراء السبعة * ( يُؤْتُونَ ما آتَوْا ) * بالمد ، على أنه من الإتيان بمعنى الإعطاء ، والوجل : استشعار الخوف . يقال : وجل فلان وجلا فهو واجل ، إذا خاف ، أي : يعطون ما يعطون من الصدقات وغيرها من ألوان البر ، ومع ذلك فإن قلوبهم خائفة أن لا يقبل منهم هذا العطاء ، لأي سبب من الأسباب فهم كما قال بعض الصالحين : لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ، أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : أي : يعطون العطاء وهم خائفون أن لا يتقبل منهم ، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء ، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط . كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت : « يا رسول اللَّه * ( الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) * هو الذي يسرق ويزنى ويشرب الخمر ، وهو يخاف اللَّه - عز وجل - ؟ قال : « لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلى ويصوم ويتصدق وهو يخاف اللَّه - تعالى - » . ثم قال - رحمه اللَّه - وقد قرأ آخرون : والذين يأتون ما أتوا . . من الإتيان . أي : يفعلون ما فعلوا وهم خائفون . . . والمعنى على القراءة الأولى - وهي قراءة الجمهور : السبعة وغيرهم - أظهر لأنه قال - بعد ذلك - : * ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وهُمْ لَها سابِقُونَ ) * فجعلهم من السابقين ، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى ، لأوشك أن لا يكونوا من السابقين ، بل من المقتصدين أو المقتصرين « 1 » . وجملة * ( وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) * حال من الفاعل في قوله - تعالى - * ( يُؤْتُونَ . ) * وجملة * ( أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ) * تعليلية بتقدير اللام ، وهي متعلقة بقوله : * ( وَجِلَةٌ . ) * أي : وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم إلى ربهم راجعون ، فيحاسبهم على بواعث
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 474 .