وهنا يلفت القرآن أنظارهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم ، ويأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يحذرهم من سوء مصير هذا الإنكار والاستهزاء ، فيقول : * ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) * .
أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : سيروا في الأرض لتروا بأعينكم مصارع المكذبين بما جاءهم به الرسل من قبلكم . ولتعتبروا بما أصابهم بسبب إجرامهم ، وإنكارهم للبعث والحساب يوم القيامة .
فالآية الكريمة توجههم إلى ما من شأنه أن يفتح مغاليق قلوبهم المتحجرة وأن يزيل عن نفوسهم قسوتها وعنادها .
وبعد هذا التوجيه الحكيم تأخذ السورة الكريمة في تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب كفرهم فتقول : * ( ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ، ولا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) * والحزن :
اكتئاب نفسي يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه .
والمقصود بالنهى عن الحزن : النهى عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ، ويصعب نسيانها .
والمكر : التدبير المحكم . أو صرف الغير عما يريده بحيلة ، لقصد إيقاع الأذى به .
أي : ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - على هؤلاء المشركين ، بسبب إصرارهم على الكفر والجحود ولا يضيق صدرك ، ويمتلئ هما وغما بسبب مكرهم فإن اللَّه - تعالى - عاصمك منهم ، وناصرك عليهم .
ثم تعود السورة إلى سرد أباطيلهم فتقول : * ( ويَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * أي : ويقول هؤلاء المشركون للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ولأصحابه : متى يحصل هذا الوعد الذي توعدتمونا به ، وهو أن عذابا سيصيبنا إذا لم نؤمن بما أنتم مؤمنون به .
إن كنتم صادقين في وعدكم لنا بهذا العذاب ، فأنزلوه بنا ، فنحن قد طال انتظارنا له .
وهكذا الأشرار يتعجلون مصيرهم الأليم ، ويبحثون عن حتفهم بظلفهم ، وذلك لإيغالهم في الغرور والعناد .
ولذا جاء الرد عليهم ، يحمل في طياته العذاب الشديد ، والتهكم المرير ، فيقول - تعالى - آمرا رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم بالرد عليهم : * ( قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) * .
والرديف - كما يقول صاحب المصباح - الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة . . ومنه ردف
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 353
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٥٣