تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
و « من » اسم موصول في محل رفع على أنه فاعل « يعلم » و « الغيب » مفعوله فيكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام الساعة : لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة في السماوات والأرض ، الغيب إلا اللَّه - تعالى - وحده ، فإنه هو الذي يعلمه . ويجوز أن يكون لفظ « من » في محل نصب على المفعولية و « الغيب » بدل منه ، ولفظ الجلالة « اللَّه » فاعل « يعلم » فيكون المعنى : قل لا يعلم الأشياء التي تحدث في السماوات والأرض الغائبة عنا ، إلا اللَّه - تعالى - . قال القرطبي : وفي صحيح مسلم عن عائشة ، أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « من زعم أن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلم يعلم ما في غد ، فقد أعظم على اللَّه الفرية » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) * تأكيد لانفراد اللَّه - تعالى - بعلم الغيوب ، ولفظ « أيان » ظرف زمان متضمن معنى متى . أي : وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة ، ولا غيرهم ، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب ، إذ علم وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا اللَّه وحده . فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة في أدق صورة وأخفاها ، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة ، بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ، ولا هُمْ يُنْظَرُونَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم في الآخرة بصورة أكثر تفصيلا . فقال : * ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ . . ) * وقوله - تعالى - : * ( بَلِ ادَّارَكَ . . . ) * قرأه الجمهور - بكسر اللام وتشديد الدال وبعدها ألف - وأصله تدارك ، بزنة تفاعل . وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال أشهرها : أن التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء ، وأصله التتابع والتلاحق . يقال : تدارك بنو فلان ، إذا تتابعوا في الهلاك ، و « في » بمعنى الباء . أي : بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشؤون البعث حتى اضمحل وفنى ، ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل . والمقصود : أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها ، قد تساقطت من اعتبارهم
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 226 . ( 2 ) سورة الأنبياء الآية 40 .