تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
المرأة ، وهو عجزها ، والجمع أرادف . . وترادف القوم : إذا تتابعوا ، وكل شيء تبع شيئا فهو ردفه . « 1 » . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا نتعجلوا العذاب فعسى ما تستعجلونه من عذاب ، بعضه قد لحقكم ونزل بكم ، وبعضه في طريقه إليكم ، وأنتم لا تشعرون بذلك ، لشدة غفلتكم ، وتبلد مشاعركم . والتعبير بقوله : * ( رَدِفَ لَكُمْ ) * يشعر بأن العذاب ليس بعيدا عنهم ، وإنما هو قريب منهم ، كقرب الراكب فوق الدابة ممن هو ردفه - أي خلفه - عليها . ولقد لحقهم شيء من هذا العذاب الذي تعجلوه في مكة ، عندما أصيبوا بالقحط والجدب ، ولحقهم شيء منه بعد ذلك في بدر ، عندما قتل المسلمون أكثر زعمائهم ، كأبى جهل ، وغيره . . ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس ، فقال : * ( وإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ . ) * أي : وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو فضل عظيم ، وإنعام كبير على الناس . ومن مظاهر ذلك : أنه لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم ، ولكن أكثر هؤلاء الناس لا يشكرونه - سبحانه - على فضله وإنعامه . والتعبير « بأكثر » للإشعار بأن هناك قلة مؤمنة من الناس ، ملازمة لشكر اللَّه - تعالى - في السراء والضراء ، والعسر واليسر . ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شيء فقال : * ( وإِنَّ رَبَّكَ ) * - أيها الرسول الكريم - * ( لَيَعْلَمُ ) * علما تاما * ( ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ) * أي : ما تخفيه وتستره صدورهم من أسرار ، ويعلم - أيضا - * ( ما يُعْلِنُونَ ) * أي : ما يظهرونه من أقوال وأفعال . * ( وما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ والأَرْضِ ) * أي : وما من شيء غائب عن علم الخلق سواء أكان في السماء أو في الأرض . * ( إِلَّا ) * وهو عندنا * ( فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * أي : إلا وهو عندنا في كتاب واضح لمن يطالعه بإذن ربه ، وهذا الكتاب المبين هو اللوح المحفوظ الذي سجل - سبحانه - فيه أحوال خلقه . وما دام الأمر كذلك ، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما عليه هؤلاء المشركون من
هامش
( 1 ) المصباح المنير ج 1 ص 306 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 354 | سيد محمد طنطاوي