للحدود التي شرعها اللَّه - تعالى - ولا هم بخلاء في نفقتهم إلى درجة التقتير والتضييق ، وإنما هم خيار عدول يعرفون أن خير الأمور أوسطها .
واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) * يعود إلى المذكور من الإسراف والتقتير . والقوام : الشيء بين الشيئين . وقوام الرجل : قامته وحسن طوله وهيئته ، وهو : خبر لكان ، واسمها : مقدر فيها .
أي : وكان إنفاقهم « قواما » أي وسطا بين الإسراف والتقتير والتبذير والبخل ، فهم في حياتهم نموذج يقتدى به في القصد والاعتدال والتوازن . وذلك لأن الإسراف والتقتير كلاهما مفسد لحياة الأفراد والجماعات والأمم ، لأن الإسراف تضييع للمال في غير محله . والتقتير إمساك له عن وجوهه المشروعة ، أما الوسط والاعتدال في انفاق المال ، فهو سمة من سمات العقلاء الذين على أكتافهم تنهض الأمم ، وتسعد الأفراد والجماعات .
وبعد أن بين - سبحانه - ما هم عليه من طاعات ، أتبع ذلك ببيان اجتنابهم للمعاصي والسيئات فقال : * ( والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ ) * أي : لا يشركون مع اللَّه - تعالى - إلها آخر لا في عبادتهم ولا في عقائدهم . وإنما يخلصون وجوههم للَّه - تعالى - وحده .
* ( ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ) * أي : ولا يقتلون النفس التي حرم اللَّه - تعالى - قتلها لأي سبب من الأسباب ، إلا بسبب الحق المزيل والمهدر لعصمتها وحرمتها ، ككفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير ذنب يوجب قتلها .
* ( ولا يَزْنُونَ ) * أي : ولا يرتكبون فاحشة الزنا ، بأن يستحلوا فرجا حرمه اللَّه - تعالى - عليهم .
روى الشيخان وغيرهما عن عبد اللَّه بن مسعود قال : سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : أي الذنب أكبر ؟ قال : أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أي : قال : « أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزانى حليلة جارك . . » « 1 » .
وقوله - تعالى - : * ( ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً . . . ) * بيان لسوء عاقبة من يرتكب شيئا من تلك الفواحش السابقة .
أي : ومن يفعل ذلك الذي نهينا عنه من الإشراك والقتل والزنا ، يلق عقابا شديدا لا يقادر قدره .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 134 .