هذا هو شأنهم في مشيهم ، أما شأنهم مع غيرهم ، فقد وصفهم . سبحانه - بقوله :
* ( وإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) * .
أي : إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء أدب ، لم يقابلوهم بالمثل ، بل يقابلوهم بالقول الطيب ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : وإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه ، وقالُوا لَنا أَعْمالُنا ولَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ « 1 » .
ثم وصف - سبحانه - حالهم مع خالقهم فقال : * ( والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقِياماً ) * والبيتوتة أن يدركك الليل سواء كنت نائما أم غير نائم .
أي : أن من صفاتهم أنهم يقضون جانبا من ليلهم ، تارة ساجدين على جباههم للَّه - تعالى - وتارة قائمين على أقدامهم بين يديه - سبحانه - .
وخص وقت الليل بالذكر . لأن العبادة فيه أخشع ، وأبعد عن الرياء ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً . . « 2 » .
وقوله - سبحانه - : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وقائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّه . . « 3 » .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من دعائهم إياه . وخوفهم من عقابه ، فقال : * ( والَّذِينَ يَقُولُونَ ) * أي : في عامة أحوالهم ، يا * ( رَبَّنَا ) * بفضلك وإحسانك * ( اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ ) * بأن تبعده عنا وتبعدنا عنه .
* ( إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ) * أي : إن عذابها كان لازما دائما غير مفارق ، منه سمى الغريم غريما لملازمته لغريمه ، ويقال : فلان مغرم بكذا ، إذا كان ملازما لمحبته والتعلق به .
* ( إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقاماً ) * وساءت بمعنى بئست ، والمخصوص بالذم محذوف .
أي : إن جهنم بئست مستقرا لمن استقر بها ، وبئست مقاما لمن أقام بها .
فالجملة الكريمة تعليل آخر ، لدعائهم بأن يصرفها ربهم عنهم .
ثم بين - سبحانه - حالهم في سلوكهم وفي معاشهم فقال - تعالى - : * ( والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا . . . ) * .
أي : أن من صفاتهم أنهم ملتزمون في إنفاقهم التوسط ، فلا هم مسرفون ومتجاوزون
هامش
( 1 ) سورة القصص الآية 55 .
( 2 ) سورة السجدة آية 16 .
( 3 ) سورة الزمر الآية 9 .