تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
على المواعظ والثواب والعقاب ، أكبوا عليها ، وأقبلوا على المذكّر بها بآذان واعية ، وبعيون مبصرة ، وليس كأولئك الكفار أو المنافقين الذين ينكبون على عقائدهم الباطلة انكباب الصم العمى الذين لا يعقلون ، وينكرون ما جاءهم به رسول ربهم بدون فهم أو وعى أو تدبر . فالآية الكريمة مدح للمؤمنين على حسن تذكرهم وتأثرهم ووعيهم ، وتعريض بالكافرين والمنافقين الذين يسقطون على باطلهم سقوط الأنعام على ما يقدم لها من طعام وغيره . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( لَمْ يَخِرُّوا . . ) * ليس بنفي للخرور ، وإنما هو إثبات له ، ونفى للصمم والعمى ، كما تقول : لا يلقاني زيد مسلَّما هو نفى للسلام لا للقاء . والمعنى : أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها ، وأقبلوا على المذكر بها ، وهم في إكبابهم عليها ، سامعون بآذان واعية . مبصرون بعيون راعية ، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها . . وهم كالصم العميان حيث لا يعونها كالمنافقين وأشباههم « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - في نهاية الحديث عنهم أنهم لا يكتفون بهذه المناقب الحميدة التي وهبهم اللَّه إياها ، وإنما هم يتضرعون إليه - سبحانه - أن يجعل منهم الذرية الصالحة ، وأن يرزقهم الزوجات الصالحات . فقال - تعالى - : * ( والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ، واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ) * . أي : يقولون في دعائهم وتضرعهم يا * ( رَبَّنا هَبْ لَنا ) * بفضلك وجودك * ( مِنْ أَزْواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) * أي : ما يجعل عيوننا تسر بهم ، ونفوسنا تنشرح برؤيتهم ، وقلوبنا تسكن وتطمئن وجودهم ، لأنهم أتقياء صالحون مهتدون . . * ( واجْعَلْنا ) * يا ربنا * ( لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ) * أي : اجعلنا قدوة وأسوة للمتقين . يقتدون بنا في أقوالنا الطيبة ، وأعمالنا الصالحة ، فأنت تعلم - يا مولانا - أننا نعمل على قدر ما نستطيع في سبيل إرضائك وفي السير على هدى رسولك صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . هذه هي صفات عباد الرحمن ذكرها القرآن في هذه الآيات الكريمة ، وهي تدل على قوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وطهارة قلوبهم . . فماذا أعد اللَّه - تعالى - لهم ؟ لقد بين - سبحانه - ما أعده لهم فقال : * ( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقاماً ) * . والغرفة في الأصل : كل بناء مرتفع ، والجمع غرف وغرفات كما في قوله - تعالى - : لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 295 . ( 2 ) سورة الزمر ، آية 20 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 222 | سيد محمد طنطاوي