ثم أشار - سبحانه - إلى شروط التوبة الصادقة فقال : * ( ومَنْ تابَ وعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّه يَتُوبُ إِلَى اللَّه مَتاباً ) * .
أي : ومن تاب عن المعاصي تركا تاما ، وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما فاته منه ، فإنه في هذه الحالة يكون قد تاب ورجع إلى اللَّه - تعالى - رجوعا صحيحا ، مقبولا منه - سبحانه - بحيث يترتب عليه محو العقاب وإثبات الثواب .
وهكذا نجد رحمة اللَّه - تعالى - تحيط بالعبد من كل جوانبه ، لكي تحمله على ولوج باب التوبة والطاعة ، وتوصد في وجهه باب الفسوق والعصيان .
ثم واصلت السورة حديثها عن عباد الرحمن ، فقال - تعالى - : * ( والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ) * .
وأصل الزور : تحسين الشيء ووصفه بغير صفته ، ووضعه في غير موضعه ، مأخوذ من الزّور بمعنى الميل والانحراف عن الطريق المستقيم إلى غيره .
واللغو : هو ما لا خير فيه من الأقوال أو الأفعال .
أي : إن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يرتكبون شهادة الزور ، ولا يحضرون المجالس التي توجد فيها هذه الشهادة ، لأنها من أمهات الكبائر التي حاربها الإسلام .
وفضلا عن ذلك فإنهم « إذا مروا باللغو » أي : بالمجالس التي فيها لغو من القول أو الفعل « مروا كراما » أي : أعرضوا عنها إكراما لأنفسهم ، وصونا لكرامتهم ، وحفاظا على دينهم ومروءتهم .
والتعبير بقوله - تعالى - : * ( وإِذا مَرُّوا . . . ) * فيه إشعار بأن مرورهم على تلك المجالس كان من باب المصادفة والاتفاق ، لأنهم أكبر من أن يقصدوا حضورها قصدا .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه وقالُوا لَنا أَعْمالُنا ولَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ « 1 » .
ثم بين - سبحانه - سرعة تأثرهم وتذكرهم ، وقوة عاطفتهم نحو دينهم فقال : * ( والَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ، لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْياناً ) * .
والمراد بآيات ربهم ، القرآن الكريم وما اشتمل عليه من عظات وهدايات . .
أي : أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم ، إذا ذكرهم مذكر بآيات اللَّه - تعالى - المشتملة
هامش
( 1 ) سورة القصص الآية 55 .