تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وهذا الحاجز الذي جعله - سبحانه - بين البحرين : العذب والملح ، من أكبر الأدلة وأعظمها على قدرة اللَّه - تعالى - ، وعلى أن لهذا الكون إلها صانعا حكيما مدبرا وأن كل شيء في هذا الكون يسير بنظام معلوم ، وبنسق مرسوم . وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - في الظل وفي الرياح وفي الماء . . جاء الحديث عن خلق الإنسان . فقال - تعالى - : * ( وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَه نَسَباً وصِهْراً . . . ) * والمراد بالماء : ماء النطفة ، وبالبشر الإنسان . أو المراد بالماء : الماء المطلق الذي أشار إليه سبحانه في قوله : وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . أي : وهو - سبحانه - الذي خلق من ماء النطفة إنسانا « فجعله نسبا وصهرا » أي : فجعل من جنس هذا الإنسان ذوى نسب : وهم الذكور الذين ينتسب إليهم بأن يقال فلان بن فلان ، كما جعل من جنسه - أيضا ذوات صهر وهن الإناث ، لأنهن موضع المصاهرة . والصهر يطلق على أهل بيت المرأة وأقاربها ، كالأبوين والإخوة والأعمام والأخوال ، فهؤلاء يعتبرون أصهارا لزوج المرأة . قال صاحب الكشاف : قسم - سبحانه - البشر قسمين : ذوى نسب ، أي : ذكورا ينسب إليهم فيقال : فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر : أي : إناثا يصاهر بهن ونحوه قوله - تعالى - : فَجَعَلَ مِنْه الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى « 1 » . * ( وكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ) * حيث خلق - سبحانه - من النطفة الواحدة بشرا نوعين : ذكرا وأنثى « 2 » . وإلى هنا نرى هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ستة أدلة محسوسة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته . وهذه الأدلة الستة هي . الظلال قبضا وبسطا ، والليل والنهار راحة ونشورا ، والرياح بشرا بين يدي رحمته ، والأمطار حياة للناس والأنعام وغيرهما ، ومرج البحرين أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج ، وخلق الإنسان من نطفة منها الذكر ومنها الأنثى . ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من هذه النعم العظيمة كما بينت وظيفة
هامش
( 1 ) سورة القيامة الآية 39 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 287 .